تقارير

هل يحاسب الكونغرس تركيا على “سجلها السئ” في الحريات الدينية؟

كريم شفيق

تشهد العلاقات التركية الأمريكية، مجدداً، فصلاً جديداً من التوتر والتعقيد، وذلك على خلفية قضايا وملفات عديدة، محلية وإقليمية، لا سيما وأنّ الوضع الحقوقي المتردي، في أنقرة، والذي يبرز انتهاكات جمّة في الصحافة والقضاء، وكذا بحق المرأة والأقليات، يفاقم الأزمات مع الولايات المتحدة.
وعلى ما يبدو، أنّ هناك اتجاهات متزايدة لإصدار تشريعات تهدف إلى وضع النظام التركي تحت المراقبة، وفرض عقوبات ضد ممارساته العدوانية، بالإضافة إلى ضبط سياساته العدائية التي تسببت في خنق المجال العام، وخفض مستوى الحريات، وتهديد الناشطين والمعارضين؛ فثمة مشروع قانون في الكونغرس، تم الإعلان عنه، مؤخراً، لمحاسبة تركيا على تجاوزاتها الحقوقية.

سقف الحريات في تركيا يلامس الحدود الدنيا

مطلع الشهر الحالي أيار (مايو)، صدر التقرير السنوي للرابطة الدولية لحقوق الإنسان، والذي أوضح أنّ التراجع المستمر في الحريات بتركيا إنّما يرجع إلى السياسات الممنهجة التي يدعمها الرئيس التركي، والتي تؤدي، بالتبعية، إلى فرض قيود عنيفة على المجتمع المدني، الأمر الذي يتسبب في تهميش أدواره وإضعاف تأثيراته، ومن ثم، تشكيل “مجتمع مدني مواز داعم ورديف للسلطة”.

التقرير الصادر بعنوان”: “المجتمع المدني التركي على المحك: مساحة متقلصة لحرية تكوين الجمعيات”، خلص إلى أنّه في الفترة بين عامي 2016 و2018، قد شهدت غياباً تاماً للبيئة القانونية التي تسمح بوجود نشاط للجمعيات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني، بل إنّ المناخ السائد كان داعماً لزيادة وتيرة القمع، والإفلات من العقاب في ظل حالة الطوارئ التي تسببت في محاكمات غير قانونية ومتعسفة للعديد من الخصوم السياسيين والنشطاء الحقوقيين والصحفيين.

وقد سبق لتقرير “الحريات الدينية في العالم لعام 2020″، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، أن وثق الانتهاكات التي تورط فيها نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والذي يسعى إلى تقويض المجتمع المدني والمؤسسات الديمقراطية، وقال: “يخضع المدافعون عن حقوق الإنسان في تركيا، والجهات الفاعلة الأخرى في المجتمع المدني بانتظام لتحقيقات، وملاحقات جنائية مزيفة لا أساس لها، وكذلك للاعتقالات التعسّفية وحظر السفر أو ممارسة الوظائف العامة على خلفية أنشطتهم في مجال حقوق الإنسان”.

جرائم أردوغان

وأوضح التقرير السنوي الصادر عن الخارجية الأمريكية، قبل نحو عام، أنّ أوضاع الحريات الدينية في تركيا، تبرز خروقات عنيفة وتضييقات متفاوتة؛ حيث “لم تبذل الحكومة التركية سوى القليل من الجهود أو لم تبذل أي جهد أصلاً، لمعالجة العديد من قضايا الحرية الدينية، كما تجاهلت الاستهداف والتخريب المستمرين لممتلكات الأقليات الدينية في جميع أنحاء البلاد”، كما لفتت إلى أنّ “الحكومة التركية أصبحت قمعية، بشكل متزايد، منذ محاولة الانقلاب المزعومة، في تموز (يوليو) عام 2016؛ إذ احتجزت العديد من الصحفيين والمعارضين السياسيين، بما في ذلك 292000 فرد ينتمون إلى حركة فتح الله غولن أو متهمون بالانتماء إليها”.

جانب من تظاهرات مناهضة لأردوغان-أرشيفية

وتابع: “في عام 2019، استمرت الانتهاكات الحقوقية في مجال الحريات الدينية، بصورة مقلقة، وذلك في ظل استمرار السياسات الحكومية التقييدية، والتدخل في الممارسات الدينية؛ وقد شهد الوضع الحقوقي بتركيا زيادة ملحوظة في حوادث التخريب والعنف المجتمعي ضد المنتمين لأقليات دينية، كما استمرت الحكومة التركية في فصل واحتجاز واعتقال الأفراد المنتسبين أو المتهمين بالانتماء لرجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن”.
وذكر التقرير أنه خلال النصف الثاني من عام 2019، قام أردوغان بوضع “حجر الأساس لترميم كنيسة السريان الأرثوذكس في إسطنبول، والتي تعتبر أول كنيسة شيدت في تاريخ الجمهورية التركية، ومع ذلك، ظل على مدار العام، يطالب، عدة مرات، بتحويل متحف آيا صوفيا للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية إلى مسجد”، وعليه، أصدر القضاء التركي، نهاية العام ذاته، قراراً يقضي بتحويل متحف آخر، هو في الأساس كنيسة أرثوذكسية يونانية، إلى مسجد.

مشروع قانون أمريكي.. هل يحاسب أردوغان؟

وفي أعقاب اعتراف الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بالإبادة الجماعة للأرمن، تبنى عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي، من الجمهوريين والديمقراطيين، إصدار مشروع قانون لمحاسبة تركيا على انتهاكاتها للحريات الدينية، سواء التي وقعت بحق الطوائف المسيحية، أو الأقليات الدينية الأخرى؛ إذ قدم المشروع كل من عضوة الكونغرس، كارولين ب. مالوني، المؤسس المشارك والرئيس المشارك لمجموعة الكونغرس حول القضايا اليونانية، وعضو الكونغرس، جوس إم بيليراكيس، الرئيس المشارك للكونغرس حول القضايا اليونانية، إضافة لأعضاء آخرين من الحزبين الجمهوري والديموقراطي.

وبحسب عضو الكونغرس بيليراكيس: “يجب أن تظل الولايات المتحدة ثابتة على فرض مبادئ القيم الديمقراطية المشتركة من قبل حلفائنا، وبما في ذلك إظهار الاحترام المستمر للحريات الدينية”، وتابع: “سأستمر في الانضمام إلى زملائي والتحدث نيابة عن أولئك الذين تم إسكات أصواتهم حتى نصل إلى اليوم الذي يتم فيه تصحيح هذا الظلم”.

ولفت الرئيس الأعلى للجمعية اليونانية التقدمية التربوية الأمريكية، جورج هوريتس، إلى أنّ “قانون الحرية الدينية في تركيا والبطريركية المسكونية لعام 2021 هو تشريع مهم مقدم من الحزبين الرئيسين في الولايات المتحدة من شأنه أن يحاسب تركيا على سجلها السئ في عدم التسامح وانتهاك الحريات الدينية”.

وشددت مسودة القانون على ضرورة إدراج تركيا “على قائمة المراقبة الخاصة، باعتبارها أداة قوية وفعالة في تسليط الضوء على انتهاكات الحريات الدينية في تركيا”، كما حثت وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، على ضرورة تقديم تقرير إلى الكونغرس بخصوص سياسات وزارة الخارجية لدعم وتعزيز الحريات الدينية في تركيا.

بايدن وأردوغان.. سياسة واشنطن الجديدة

وفي حديثه لـ”العربي ستريت”، يشير الدكتور إبراهيم مسلم، الباحث المتخصص في الشأن التركي، إلى أنها ليست المرة الأولى التي يقترح فيها الكونغرس الأمريكي مشروع قانون لفرض عقوبات على تركيا؛ ففي عهد الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترمب، وبالتحديد في بداية ٢٠١٩ كان هناك مشروع لفرض عقوبات على تركيا بسبب انتهاكاتها في شمال شرقي سوريا، وعلى وجه الخصوص في مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية، وأيضاً على خلفية صفقة اس ٤٠٠ مع روسيا، لكن غالبية تلك العقوبات لم تكن تنفذ، أو بالأحرى كانت تعطل، نتيجة العلاقة الجيدة التي جمعت أردوغان بترامب.

الباحث المتخصص في الشأن التركي إبراهيم مسلم

وفي ظل إدارة بايدن ثمة تفاؤل من عدة قوى في المنطقة بخصوص احتمالية أو إمكانية فرض عقوبات بحق النظام التركي وأردوغان، بحسب مسلم، والذي يلفت إلى أنّ الرئيس التركي “بنفس الدرجة التي أغلق فيها المجال العام، وعمد إلى فرض سياسات أصولية وعنصرية للتعمية على جرائمه، الداخلية والخارجية، وقد عانى منها كثيرون، أغرق المنطقة بإرهاب داعش وجبهة النصرة وهيئة تحرير الشام، ناهيك عن مجموعات متطرفة أخرى، والتي كانت واجهتها السياسية جماعة الإخوان، المدعومة من أنقرة وحزب العدالة والتنمية”.
ويلفت الباحث المتخصص في الشأن التركي إلى أنّ “تركيا بحغرافيتها الحالية كانت موطناً لمختلف الديانات، غير أنّ الحكومات المتعاقبة على تركيا، وتحديداً مع صعود أردوغان، واتجاهاته الإسلامية المؤدلجة والمتشددة، عمد إلى تضييق الخناق على الأقليات الدينية والقومية”.
ومن بين الإجراءات التي اتخذها الرئيس التركي بينما تكشف عن انتهاكاته للحريات الدينية “تحويل كاتدرائية آيا صوفيا إلى مسجد، واعتقاله لشخصيات صحفية أرمينية ومسيحية وكردية، فضلاً عن نفيه المستمر للإبادة الجماعية التي وقعت بحق الأرمن، والتي تورطت فيها الدولة العثمانية قبل نحو مائة عام”.

زر الذهاب إلى الأعلى