تقارير

هل تشهد تركيا مسرحية انقلابية جديدة بعد بيان ضباط البحرية؟

حامد فتحي

أثار البيان الصادر عن 103 من ضباط البحرية التركية المتقاعدين موجة من الشك والقلق بين السياسيين؛ خشية أنّ يكون البيان بداية جديدة لمسرحية انقلابية يجرى حبكها، على غرار مسرحية العام 2016، والتي استغلها أردوغان لتصفية خصومه من حركة الخدمة.

ويخشى الساسة الأتراك المعارضين لأردوغان من استغلاله لهذا البيان لقيادة موجة تطهير تستهدف الحياة السياسية هذه المرة، بعدما وجد في ذريعة الانضمام لحركة الخدمة غايته لتطهير الجيش من معارضيه.

ويسود قلق من توظيف أردوغان للحادث للانقلاب على الدستور، وكتابة آخر جديد يحقق أطماعه في تأسيس دولة إسلامية، وسواء أكان البيان حادث منفرد أو ضمن سياق مُدبر فمن المؤكد أنّ أردوغان لن يدعه يمضي دون استغلال لتحقيق مزيد من الأطماع الشخصية على حساب الدولة.

عرض عسكري للبحرية التركية

بيان الضباط

نشرت وسائل الإعلام التركية، بيان وقع عليه 103 من ضباط البحرية المتقاعدين، بينهم أدميرالات، حذروا فيه أردوغان من الانسحاب من اتفاقية مونترو، لعام 1936، بشأن تنظيم الملاحة الدولية في مضيقي الدردنيل والبوسفور، اللذان كانا محل صراع دولي طوال قرون، قبل سقوط الدولة العثمانية، بعدها.

وجاء تحذير الضباط بعد انسحاب تركيا من معاهدة إسطنبول لمناهضة العنف ضدّ المرأة، وحديث رئيس البرلمان، مصطفى شنطوب عن الانسحاب من اتفاقية مونترو، وكان شنطوب قال في 30 آذار (مارس) الماضي، إنّ “رئيس الجمهورية مثلما انسحب من اتفاقية اسطنبول بقرار رئاسي، يمكنه أن ينسحب من اتفاقية مونترو، كما من كلّ الاتفاقيات الدولية الأخرى”.

وطالب بيان الضباط باحترام الاتفاقية، التي يعد الانسحاب منها تفريطاً في الحقوق التاريخية لتركيا، وتهديداً للأمن القومي للبلاد، وشدد الضباط على أنّ الاتفاقية هي من مكنت تركيا من الحفاظ على الحياد في الحرب العالمية الثانية، وجعلت الدول الكبرى تحترم سيادتها.

وأدان البيان ابتعاد القوات البحرية التركية عن القيم الأساسية للدستور، والتي لا يمكن تغييرها ولا يمكن اقتراح تغييرها، وعن المسار المعاصر الذي رسمه أتاتورك، بحسب ما نقلته جريدة “زمان” التركية.

وطالب الضباط أردوغان بالتراجع عن تنفيذ مشروع قناة إسطنبول، ودعوا الجيش إلى “الحفاظ على القيم الأساسية للدستور، والتي لا يمكن تغييرها ولا يمكن اقتراح تغييرها”.

ودعا أردوغان في الأول من شباط (فبراير)، الماضي إلى صياغة دستور جديد للبلاد، وقال في خطاب أمام كتلته البرلمانية، “من الواضح أنه في صلب مشاكل تركيا دساتير صاغها انقلابيون”، منوهاً إلى أنّ الدستور الذي يرغب في صياغته “سيكون أول دستور مدني في تاريخ الجمهورية التركية”.

وذكر البيان أن اتفاقية مونترو ليست اتفاقية تنظم حركة العبور بالمضايق التركية فقط، بل انتصار دبلوماسي كبير مكمل لاتفاقية لوزان، وأعاد لتركيا جميع حقوقها السيادية في مضائق إسطنبول وشانق قلعة وبحر مرمرة.

واستنكر الموقعون على البيان الصور المتداولة لرئيس لواء التموين البحري، مصطفى ساري، وهو يرتدي الجبة والقفطان.

واعتقلت السلطات الأمنية 10 أدميرالات من الموقعين على البيان، وأصدرت إخطارات لأربعة آخرين بتسليم أنفسهم إلى الشرطة، ومن المتوقع أنّ تصدر أوامر قبض واعتقالات أخرى، على خلفية الحادث.

الشرطة التركية-أرشيفية

 

ردود الفعل

ولاقى البيان ردود فعل غاضبة من قبل العديد من المسؤولين الأتراك، وقال رئيس البرلمان التركي مصطفى شنطوب، أنّه “لسنوات عديدة، المتقاعدون، الذين لم يظهروا في الجبهة ضد أعداء الوطن ومع الأمة، يتعاملون مع سماسرة الفوضى بأجنداتهم الخاصة، لقد دفنت أمتنا جميع عشاق الانقلاب”.

وقال أردوغان، خلال مؤتمر صحفي عقده الإثنين الماضي، عقب اجتماع حكومي لمناقشة بيان الضباط المتقاعدين من البحرية، إنّ بيانهم “غير مقبول ولا يمكن اعتبار هذا العمل عبارة عن حرية التعبير التي لا تشمل توجيه عبارات تهدد الإدارة المنتخبة”.

وشدد على أنّه “ليس من مهام الضباط المتقاعدين نشر بيانات تتضمن تلميحات انقلابية”، لاًفتا إلى أن الرسالة “ناجمة عن نوايا سيئة”، واتّهم الضباط باستهداف الديمقراطية في البلاد، مؤكداً أنّ حكومته ستتخذ كافة الإجراءات بحق الموقعين على البيان.

وتوالت التصريحات المنددة بالبيان من كبار مسؤولي الحكومة ومؤسسة الرئاسة، وأدان حليف أردوغان، زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهجلي، البيان، ودعا إلى تجريد 103 من الجنرالات في البحرية التركية من رتبهم وسلب حقوق التقاعد الخاصة بهم.

وطالب بهجلي السلطات بـ “التحقيق في الجوانب الخفية لهذا البيان ورصد الأشخاص المتورطين في هذه الفضيحة”، وأضاف أنّ “القضية قضية وطن وديمقراطية وإرادة شعب، والتهاون أو التأخر في هذا الأمر سيكون ثمنه باهظاً بدون شك”.

ومن جانب آخر، عبر عدد من المعارضين عن تأييدهم لما جاء في البيان، وقال النائب السابق عن حزب الشعب الجمهوري، هالوق باشكان، إنّه يهنيء كل الضباط الشجعان محبي الوطن، معلنا تأييده لهم، وعبر نائب عن حزب الخير عن تأييده لما جاء في البيان.

بينما حذر حزب الشعب الجمهوري، على لسان متحدثه، من استغلال أردوغان للحادث للتغطية على الإخفاق الاقتصادي، وقمع المعارضين.

قطعة بحرية حربية تركية

هل تشهد تركيا انقلاباً؟

وفي نهاية 2019، أعلن أردوغان عن مشروع قناة إسطنبول، وهي مجرى مائي موازي لمضيق البوسفور، على بعد 30 كيلومترا منه في اتجاه الغرب. وتقدر التكلفة المبدئية للمشروع بحوالي 15 مليار دولار، وبحسب الحكومة؛ يهدف المشروع إلى تخفيف الازدحام في مضيق البوسفور.

ولن تكون القناة خاضعة لاتفاقية مونترو التي تتيح حرية الملاحة في المضائق، وهو ما يعني تحصيل الحكومة رسوماً من السفن التي ستعبرها، ويواجه المشروع انتقادات حادة من المعارضة، بسبب الآثار البيئية والمالية والاجتماعية.

وكان بيان الضباط الـ 103 دعا أردوغان إلى التخلي عن مشروع قناة إسطنبول، التي ستثير تبعات سياسية دولية، خاصة مع دول حوض البحر الأسود، وعلى رأسهم روسيا، حيث ستتيح القناة لتركيا حرية الوصول إلى البحر الأسود، أو السماح بعبور سفن حربية تابعة لدول معادية لروسيا، دون التزام باتفاقية مونترو التي لا تسمح بدخول السفن الحربية الكبرى، ولا تسمح ببقاء السفن الحربية للدول غير المشاطئة في البحر الأسود، لمدة تزيد عن ثلاثة أسابيع.

وفي هذا السياق، هناك قراءتين لبيان ضباط البحرية المتقاعدين؛ الأولى أنّ البيان جزء من خطة وضعها أردوغان من أجل التحجج بوجود انقلاب، بهدف تسريع وضع دستور جديد للبلاد، وتغيير الأسس الكمالية، والثانية؛ أنّ البيان صدر عن ضباط يشعرون بخوف حقيقي على البلاد من مخططات أردوغان.

وتعليقاً على ذلك، يعود الباحث السياسي التركي، ياوز أجار، إلى صراع الأجنحة داخل بنية الدولة العميقة التركية لقراءة بيان الضباط المتقاعدين، ويرى أنّ “البيان يأتي في إطار الصراع بين جناحي الدولة العميقة؛ الأطلسيين الموالين للغرب، والأوراسيين المؤيدين للتوجه شرقاً، نحو الصين وروسيا”.

وأضاف أجار في حديثه لـ”العربي ستريت”، بأنّ “وراء البيان صراع غير ظاهر حول السيطرة على الدولة، بين أردوغان الذي يتحالف مع الأطلسيين، وعلى رأسهم حزب الحركة القومية، وخصومه من الأوراسيين”.

ويؤكد أجار على أنّ؛ خصومة أردوغان مع طرف مرحلية، ولها أبعاد تتعلق بالعلاقة مع بروكسل وواشنطن، إلى جانب استغلاله لهذه الأجنحة لاضعافها جميعاً.

ومن المؤكد أنّ بيان الضباط لن يتجاوز مرحلة الإدانات والتحذير، فلو كان بيدهم القدرة على الانقلاب لما لجأوا للبيانات، لكنّ لن يمرّ البيان دون استغلال وتوظيف من أردوغان، للإطاحة بخصومه من أجهزة الدولة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى