تقارير

هل أضحى القضاء في تركيا منصة للعدوان على خصوم أردوغان؟

كريم شفيق

 

تفاقم “الإصلاحات” القضائية التي شرع في تنفيذها النظام التركي، بعد موافقة البرلمان على مجموعة من الإجراءات القانونية الجديدة، من الأوضاع المأزومة في الملف الحقوقي، تحديداً ما يتصل بالتجاوزات والخروقات الحقوقية التي يتعرض لها خصوم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بصورة مستمرة وممنهجة، بحسب مراقبين؛ إذ إنّ الانتهاكات العديدة، المتمثلة في التعذيب والاغتصاب، أضحت في حاجة إلى “أدلة ملموسة” حتى يتسنى صدور حكم بشأنها، أو التحقيق في حدوثها.

تناقضات العدالة في تركيا

وبالتزامن مع الإعلان عن حزمة القرارات الجديدة، نهاية الأسبوع الماضي، تم تخفيف حكم السجن لثلاث سنوات، الصادر بحق مراد شاهين، والذي حاول اغتيال الصحفي التركي المعارض، جان دوندار، أمام قصر العدلية، في إسطنبول؛ إذ يواجه الأول تهماً من بينها “التهديد بالسلاح” و”إصابة شخص عمداً” و”حمل سلاح غير مرخص”، غير أنّ القاضي أجّل التصديق على الحكم بالسجن، وفق ما عدّه “حسن السلوك” للمتهم، ومن ثم، لن يقضي أيّة عقوبة في السجن، كما أنّ القضية لن تدرج في سجله الجنائي، إذا لم يرتكب جرائم لمدة خمس سنوات.
واللافت أنّ دوندار، الذي كان يرأس تحرير صحيفة “جمهورييت”، قد صدر بحقه حكم قضائي، لمدة 27 عاماً، على خلفية نشر معلومات تتصل بالدور الذي تؤديه المخابرات التركية في النزاع السوري، الأمر الذي كشف عن تناقضات واضحة و”ازدواجية” في مسارات العدالة بتركيا، إثر وقوعها تحت وطأة الـ “تسييس”، وكان الصحفي التركي المعارض قد وثق عملية نقل الأسلحة لعناصر إسلامية متشددة وجهاديين، من خلال عدة صور ومقاطع فيديو، بواسطة الأذرع الأمنية للاستخبارات التركية.

المعارضة تدين “إصلاحات” النظام

فيما يتّصل بالإصلاحات القضائية التي أقرّها البرلمان، مؤخراً، رأت رئيسة اتحاد الجمعيات النسائية التركية، جانان جولو، أنّ “هذه الحزمة القانونية التي تمّ تمريرها في البرلمان خاطئة للغاية”، وتابعت في تصريحات نقلها موقع “العربية نت”: “مع تمرير هذه القوانين، كان من الضروري البحث عن أدلة ملموسة بخصوص الضحية التي تتعرض لاعتداء”.
وأردفت: “في السابق كان الجهاز القضائي التركي يعتمد على تقارير الطبّ الشرعيّ والأطباء النفسيين كأدلة ملموسة عند معاقبة الجناة خلال محاكمتهم على ارتكاب مثل هذه الانتهاكات، لكن وفق الحزمة الجديدة، لن يكون الأمر كذلك، وبحسب القانون الجديد، لن يتمّ البحث، بشكلٍ دقيق، عن الأدلة التي تدين الجناة، وهو ما يعني فعلياً إفلاتهم من العقاب”.

جانب من تظاهرات مناهضة لأردوغان-أرشيفية

وعقّبت وزارة العدل التركية على القانون الجديد بأنّ “أقوال النساء وكذلك إفادات الأطفال سيتم اعتمادها كأدلة ملموسة”. وغرّد وزير العدل التركي، عبد الحميد غول، على حسابه الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”: “نحن مصممون على مواصلة اتخاذ خطوات لإصلاح نظام قانوني يحوز ثقة الجميع على أساس العدالة وحقوق الإنسان”.

إلى ذلك، دانت المعارضة التركية الإجراءات التي أقرّها النظام، وعدّها ضمن خطوات الرئيس التركي للهيمنة على المؤسسة القضائية، وتسييس الأحكام لصالحه، بل وتحويلها إلى أداة تعسفية لملاحقة خصومه، كما طالبت قوى المعارضة بـ “رفع الوصاية عن القضاء والبرلمان في البلاد”، وقال رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كيلتشدار أوغلو: “تركيا في حاجة إلى بداية جديدة. في هذا البلد، لا أريد أن أرى الملايين تتغذى من حاويات القمامة”.

وتابع: “إذا كنا نبحث عن رئيس، فنحن في حاجة إلى خلق مؤهلاته في أذهاننا، وسرد المؤهلات المطلوبة للرئيس. ويجب على الرئيس احتضان الجميع، فصناعة السياسة غير ممكنة على أساس الهوية أو المعتقد أو أسلوب الحياة.. نحن الآن نمارس السياسة على أساس الهويات الاجتماعية”، موضحاً أنّ “تركيا في حاجة إلى بداية جديدة، نحن دولة غنية، لدينا كلّ أنواع الخيارات والفرص، لكنّ الموارد لا تُستخدم بشكل صحيح”.
وشدّد زعيم المعارضة التركية على ضرورة “إلغاء الوصاية المدنية على القضاء”، مضيفاً: “كما يجب على الرئيس أن يعد هذه الأمة بتطهير بقايا قانون الانقلاب”.
وأردف: “هل نستحق ديمقراطية من الدرجة الأولى أم من الدرجة الثالثة؟ يجب أن يسعى الرئيس إلى ديمقراطية من الدرجة الأولى وإنهاء الوصاية على البرلمان، عندما تنتخبون نائباً، هل حقاً تنتخبون النواب؟ الأمة تنتخب ممثليها، لكنّ المنتخَبين يبقون تحت الوصاية”.

أردوغان وتقويض المؤسسات

يتفق والرأي ذاته، هنري باركي، والذي ذكر في مقال بصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية؛ أنّ الرئيس التركي عمد إلى تحويل القضاء “بشكل منهجي” إلى منصة للعدوان على خصومه، وتقويض نشاط المعارضة والمجتمع المدني، لافتاً إلى أنّه، عام 2019، فقط، تمّ التحقيق مع قرابة 36,066 شخص في تركيا بتهمة “إهانة” الرئيس، وقد نجم عن ذلك “أكثر من 3 آلاف حالة إدانة”.

ويقول باركي: “تجاهلت السلطة القضائية ضمانات المحاكمة العادلة وسلامة الإجراءات القانونية، وواصلت تطبيق قوانين مكافحة الإرهاب، التي تشمل على تعريفات فضفاضة، للمعاقبة على أفعال محمية بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وفرضت عقوبات على بعض أعضاء الهيئة القضائية، والمهن القانونية، بسبب ممارستهم المشروعة لمهامهم الوظيفية.. وأُدين أربعة مدافعين عن حقوق الإنسان، من بينهم تانر كيليش، في محاكمة بويوكادا التي لا تستند على أيّ أساس، وظلّ عثمان كافالا في السجن، رغم تبرئة ساحته في محاكمة غيزي، وإصدار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان حكماً بالإفراج عنه”.

وبحسب الشبكة الأوروبية للمجالس القضائية، فإنّه بالرغم من مرور أكثر من أربعة أعوام على محاولة الانقلاب المزعومة والفاشلة “لم يتحسّن الوضع القضائي في تركيا، بل ازداد سوءاً، ووصل الأمر بالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى تعطيل قرارات السلطات القضائية، عبر ما يعرف بـ “مجلس القضاة والمدّعين العامّين””.

وجاء في تقرير للشبكة الأوروبية، نهاية العام الماضي، أنّ “المجلس التركي أصبح مجرد مؤسسة معرقلة، ولا تؤدّي أيّ دور لدعم استقلال القضاء وسيادة القانون”، موضحاً أنّ “الوضع لم يتحسن في تركيا، بل أصبح سيئاً للغاية على الصعيد القانوني، حيث إنّ مجلس القضاة والمدعين العامين لا يهتمّون بأيّ إجراء أو قرار من السلطة القضائية”.

وفي حديثه لـ “العربي ستريت”، يشير الصحفي المتخصص في الشأن التركي، باز علي بكاري، إلى أنّ “تسييس” القضاء أضحى من الأمور التي تكشف نوايا الرئيس التركي، وأهدافه السياسية، المحلية والإقليمية، وذلك منذ قام بتحويل النظام من برلماني إلى رئاسي، الأمر الذي يضغطه باتجاه تقويض كافة المؤسسات بالدولة، بحيث تصبح كافة السلطات، التنفيذية والتشريعية، في قبضته، وتحت إدارته وهيمنته.

الصحفي المتخصص في الشأن التركي باز علي بكاري

ويلفت بكاري إلى أنّ القرار الذي وافق عليه البرلمان، مؤخراً، يؤكد سلوك أردوغان المتعسف والقمعي، من ناحية، ويفضح أهدافه الفئوية المحدودة والضيقة، من ناحية أخرى، حيث إنّ “أردوغان قد تدخّل، على نحو خاص، للإفراج عن القسّ الأمريكي، أندور برونسون، وذلك بعد ضغوط جمّة من إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، ورغبة أردوغان في تخفيف الضغط بين أنقرة وواشنطن، لكن، في المقابل، يقبع زعيم حزب الشعوب الديمقراطي، صلاح الدين دميرتاش، في السجون التركية، رغم عدم دستورية ذلك الأمر”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى