مقالات

هجوم الحوثي على دولة الأمارات كفيل باندحاره

حميد الكفائي

الصواريخ التي أطلقتها جماعة الحوثي اليمنية المرتبطة بإيران على أبو ظبي الأسبوع الماضي، وتهديداتها بأنها سوف تطلق المزيد في المستقبل، سوف تقنع دول العالم غير المقتنعة حتى الآن، بأن هذه الجماعة إرهابية ولا تعتزم العيش بسلام بين دول المنطقة.

دولة الأمارات العربية المتحدة نموذج للدولة الناجحة المسالمة التي تهتم بالتطور والتنمية الاقتصادية والعلمية والمساهمة الإيجابية والفعالة في الاقتصاد العالمي، واستهدافها، لمجرد أنها تقف مع الشرعية في اليمن، دليل على صحة موقفها ونهجها الداعم للسلام والأمن في المنطقة.

وهذا ليس كلاما يقال دون مصاديق، فقد أصبحت أبوظبي ودبي من أهم المدن التي تربط قارات العالم في مجالات النقل والاتصالات والتجارة، وتحولت خلال العقود الثلاثة المنصرمة إلى قبلة للسواح والمستثمرين ورجال الأعمال، وملتقى للمؤتمرات الدولية في المجالات المختلفة، ومركزين مهمين من مراكز الإعلام والثقافة والتسوق والأبحاث العلمية. كما أصبحت العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية المتوازنة التي تقيمها دولة الأمارات مع دول العالم المختلفة، قوة داعمة للأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، الأمر الذي جعل الدبلوماسية الإماراتية عاملا فاعلا في التفاهم والوئام الدوليين.

استهداف دولة الأمارات يغضب كل ذي ضمير، ليس من العرب فحسب بل على مستوى العالم، لأنها الدولة الوحيدة في العالم العربي التي تتطور بسرعة مذهلة، وقد أصبحت نموذجا تسعى الدول الأخرى لاقتفائه، واستهدافها سوف يقدم الدليل، لمن احتاج إلى الدليل، بأن جماعة الحوثي في اليمن إنما هي جماعة إرهابية متخلفة، ليس لها هدف في الحياة سوى التخريب ومحاربة التطور والتقدم، وتسعى لدفع العالم العربي إلى الوراء، حالها حال باقي الجماعات الإرهابية المتخلفة في العالم، مثل بوكو حرام والنصرة وداعش.

وهذا الاستهداف الإرهابي غير المبرر أغضب دول العالم أجمع، ولذلك عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعا عاجلا يوم الجمعة الماضي، بناء على طلب دولة الأمارات، العضو غير الدائم في المجلس، وأصدر بيانا دان فيه الهجوم ووصفه بالإرهابي، وطالب دول العالم المختلفة إلى التعاون لمكافحة الإرهاب. لقد آن الأوان، وإن كان قد آن منذ زمن بعيد، لدول العالم الكبرى، وبالأخص الولايات المتحدة، لأن تتخذ موقفا حازما، ليس فقط من جماعة الحوثي التي تمارس الإرهاب والقرصنة، وإنما من الدولة الوحيدة التي تقف خلفها وخلف باقي الجماعات الإرهابية في بلدان أخرى، وهي إيران.

غض الطرف عن التمدد الإرهابي الإيراني في الشرق الأوسط لن يحل هذه المشكلة الآخذة في التفاقم. صحيح أن العالم يواجه مشاكل كثيرة ومعقدة ومصيرية، اقتصادية وصحية وبيئية، ولكن هذه المشكلة، إن نظرنا إلى تأريخها، فإنها في حالة تفاقم مستمر، وهذا التفاقم سوف يولد انفجارا خطيرا في يوم ما، ومثل هذا الانفجار سوف يترك آثارا مدمرة قد تصل شظاياها إلى أماكن بعيدة وسوف يطال حتى من يشعرون الآن بالأمان.

مهاجمة الأهداف المدنية ليس عملا شجاعا، وهو دليل على الضعف والضيق الذي تعاني منه الجماعات الإرهابية في العالم، لكنه سوف يحفز دول العالم جميعا على تضييق الخناق عليها وعلى الدول التي ترعاها. الحركات السياسة التي تسعى لتسلم السلطة في هذا البلد أو ذاك، لا تلجأ إلى الإرهاب والعنف، لأن ذلك يحرمها من الاعتراف والتعاون الدوليين، وهما عاملان ضروريان وحاسمان لنجاح مساعيها. السياسة تنتهي حينما يبدأ العنف، والعالم المعاصر يصطف ضد الإرهاب والعنف لأنهما يعيقان التقدم الاقتصادي العالمي، وجماعة الحوثي التي تسيطر على أجزاء من اليمن، برهنت على أنها غير مؤهلة لأن تحكم أي بقعة ولو صغيرة في اليمن، ولذلك لم يعترف بها أحد حتى الآن، وهي تضيق الخناق على نفسها بمثل هذه الأفعال التي ستنعكس سلبا حتى على الدول التي ترعاها حاليا.

لا شك أن دولة الأمارات العربية المتحدة ستواصل نهجها الذي دأبت عليه منذ التأسيس، وهو دعم السلم والأمن والاستقرار والتنمية الاقتصادية في المنطقة والعالم، والوقوف دوما إلى جانب القانون والشرعية والحقوق المشروعة لشعوب ودول المنطقة، وسوف تبقى واحة للسلم والأمن والاستقرار والتطور، ولن تعود إلى الوراء أو تغير سياساتها الناجحة والمعتدلة نتيجة أفعال إرهابية جبانة، لم تسلم منها أي دولة في العالم حتى الآن.

والأمارات ليست دولة ضعيفة كما تتوهم جماعة الحوثي ومن يقف وراءها، بل دولة قوية اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا وعسكريا، وقد أصبحت مثالا للوئام والتعايش بين بني البشر من مختلف الأعراق والأديان والثقافات. إنها دولة تضم عشرة ملايين إنسان، يعيشون بأمن وسلام، ويعملون بجد ومثابرة من أجل تطوير الدولة وتعزيز قدراتها في المجالات كافة. ولهذه الأسباب فإن دول العالم أجمع لها مصلحة في دعم الاستقرار والتطور في الأمارات، ولن تجدي نفعا أي محاولة لزعزعة استقرارها، بل إن كل محاولة من هذا القبيل ستولد زخما وطنيا وإقليميا وعالميا لدعمها والوقوف معها.

موقف مجلس الأمن الدولي الذي دان الأعمال الإرهابية لجماعة الحوثي اليمنية في أبو ظبي هو موقف جيد ويحسب له، ويمكن اعتباره بداية لحملة دولية لمكافحة الإرهاب ومعاقبة الدول التي ترعاه، ولكن المطلوب من الدول الكبرى، وبالتحديد الولايات المتحدة، هو سياسة واضحة وحازمة، وعمل منسق ودؤوب لكبح الإرهاب ومحاسبة الإرهابيين والأنظمة التي تقف وراءهم.

إدارة الرئيس بايدن تحتاج لأن تتخذ مواقف أكثر حزما ضد الإرهاب، ومثل هذه المواقف سوف توسع من شعبيتها داخليا وتدفع خصومها الجمهوريين لاتخاذ مواقف أكثر اعتدالا من سياساتها. المواقف المتذبذبة من الإرهاب والدول الراعية له من شأنها أن توهم الإرهابيين وداعميهم، بأنهم قادرون على التأثير في المواقف الدولية وأن بإمكانهم أن يستفيدوا من مواصلة الإرهاب ومهاجمة الأهداف المدنية، بالإضافة إلى أنها تضعف ثقة حلفاء الولايات المتحدة بها.

جماعة الحوثي قدمت دليلا جديدا للعالم بأنها لم تعد حركة سياسية يمنية تسعى لتحقيق أهداف وطنية، وإن كانت غير مشروعة وتتعارض مع قيم العصر، وإنما حركة إرهابية عالمية تمارس الإرهاب العبثي ضد المدنيين في دول أخرى مسالمة ومستقرة، وهذا الأمر كفيل بإقناع العالم بضرورة مواجهتها والقضاء عليها ومعاقبة داعميها.

سكاي نيوز عربية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى