مقالات

محمد بن زايد: عراقنا غالٍ

محمد خلفان الصوافي

لقد لخّص صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.

 

مكانة العراق والعراقيين عند كل العرب، حكومات وشعوباً، عندما قال في كلمته الترحيبية لرئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الذي زار الدولة يوم الأحد: “نحن قريبون من بعض بالمسافة وبالقلب، زيارتك هذه تقوي الجسر بين العراق ودولة الإمارات، عراقنا غالٍ على قلوبنا…”، هذا شعور كل إنسان عربي ناحية عراق التاريخ والحضارة.

وبالمقابل، تشير التحركات الدبلوماسية المكثفة التي يقوم بها الكاظمي إلى أن العراق يسير في اتجاه نحو استعادة مكانته ودوره ضمن الدول الفاعلة في محيطه العربي الذي غاب عنه لأسباب عديدة منذ أكثر من ثلاثة عقود، فهناك تحركات سياسية نشطة ومتعددة الأشكال والمستويات؛ تتمثل في زيارات لمسؤولين عراقيين إلى الدول العربية كما هي زيارة الكاظمي لدولة الإمارات، وقبلها زيارته إلى المملكة العربية السعودية، وأيضاً استضافة العراق لشخصيات سياسية عربية ودولية مثل تلك الزيارة الروحية للبابا فرنسيس، وكذلك إطلاق مبادرات إقليمية مثل “مبادرة الشرق الجديد” مصر والأردن.

فعندما نشهد كل هذا فإننا على يقين بأن هذه التحركات ستحسم الموقف العراقي في إخراجه من حالة التقوقع السياسي التي فرضتها عليه الحكومات السابقة وحوّلته ليكون دوره ساحة للصراع الأمريكي- الإيراني على النفوذ في داخل العراق.

لا يزال هناك متشائمون يعتقدون أن مسألة الحديث عن عودة العراق إلى المحيط العربي قد استهلكت، بل صارت مادة إعلامية للتندر بسبب التغلغل الإيراني في مفاصل الدولة العراقية، لكن عوّدنا العراق أنه يعود وينهض في كل مرة ويقوم بدوره الحضاري والإنساني. فالأمر هذه المرة أن التحرك جاد وعملي وسوف نراه حقيقة وأن زيارتي الكاظمي لكل من السعودية والإمارات هما خطوتان عمليتان نحو هذا الاتجاه الذي طال انتظاره عربياً وعراقياً.

هناك مجموعة من المتغيرات على المستويين العربي والعراقي، تعطينا الآمال لنتفاءل؛ أهمها أن مصطفى الكاظمي منذ أن جاء إلى رأس السلطة التنفيذية وهو يتبنى خطاً وطنياً واضحاً للنهوض ببلاده ويتمثل هذا الخط في استعادة هيبة الدولة من خلال السيطرة على السلاح المنفلت، واستهجان كل من يحاول إضعاف وطنه. ومن تلك العوامل أيضاً، أن التجربة العربية أثبتت أن الابتعاد عن العراق أو إبعاده عن محيطه ليس في مصلحة العرب وأن الفراغ السياسي الذي عانى منه العراق أتاح المجال لظهور تنظيم “داعش” وظهور مليشيات تخدم الملفات الإقليمية.

ومع كل ذلك هناك استيعاب أن موقف معارضي التحرك العراقي عربياً لم يتغير وأن احتمالات الضغط على الكاظمي ومحاولة التشويش على ما يقوم بها مسألة واردة وبقوة، لكن الشيء الذي لم يستوعبه أصحاب الأجندات أن الجيل العراقي تغير، فهو لم يعد يقبل بالتدخل الإيراني أو بمن يستغل مقدرات وطنه فكانت ثورة أكتوبر 2019 لإخراج إيران وإبعاد كل من يقبل على نفسه أن يواليها في السلطة، وهو -رغم كل عمليات القتل والتنكيل التي حدثت ضده- فإنه يصر على عدم التراجع أو التنازل عن أهدافه.

نجاح الكاظمي في إعادة العراق نحو محيطه العربي لم يعد فيه شك فهو ليس متردداً، بل هو واثق بما يفعل ويقوم به، بل يسير بخطى واضحة نحو هدفه، وإذا لم يوفق في تحقيق ذلك خلال فترة رئاسته المؤقتة، التي ستنتهي بإجراء الانتخابات التشريعية في أكتوبر القادم، فإنه يكفيه الشرف أنه وضع اللبنة الأساسية لتلك العودة التي ستجبر كل مَن يأتي بعده على أن يسير باتجاه إعادة العراق إلى مكانه الطبيعي في إقليمه العربي وبكامل سيادته.

كلمات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان المختصرة، عميقة المعنى والدلالة، فهي وضحت أشياء للتاريخ منها أن دعم استقرار الدول العربية، بكل ما يحتاجه ذلك من مواقف ومبادرات، جزء أصيل في الإرث السياسي الإماراتي، حدث ذلك مع مصر في 2013 ومع اليمن من خلال التحالف واليوم مع عراقنا الغالي على قلوبنا.

محمد خلفا الصوافي

زر الذهاب إلى الأعلى