تقارير

ليبيا: لماذا رفض البرلمان موازنة حكومة الدبيبة؟

حامد فتحي

موازنة هي الأضخم في تاريخ ليبيا، لحكومة هي الأقصر زمناً في تاريخ حكوماتها، دفعت البرلمان إلى رفضها، وردّها لرئيس الحكومة المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، الذي يؤكّد في كلّ يوم يمضي من وجوده في السلطة أنّه الاختيار الأسوأ للمرحلة الدقيقة التي تعيشها البلاد.

وكشفت الموازنة عن نوايا سياسية تهدّد الانتخابات القادمة، فالدبيبة استند على قرارات غير دستورية في إعداد الموازنة، وكان سخياً مع الميليشيات التي تحكم طرابلس، دون أن يمنح القيادة العامة للجيش الوطني ديناراً واحداً.

لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة

100 مليار دينار

في النصف الأول من آذار (مارس)؛ قدمت حكومة الوحدة الوطنية مشروع قانون الموازنة لعام 2021 إلى مجلس النواب، عقب نيلها الثقة من المجلس في العاشر من الشهر نفسه، وأحال المجلس المشروع إلى لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة كما ينصّ القانون.

وفي 12 نيسان (أبريل) الجاري؛ أصدرت اللجنة تقريرها حول الموازنة، ورفعته إلى رئاسة المجلس، الذي عقد جلسة عامة لبحث مشروع الموازنة خلصت إلى رفضها، وردّها إلى الحكومة.

وبلغ حجم الاعتمادات المالية في الموازنة حوالي 97 مليار دينار ليبي، ما يوازي 21 مليار دولار تقريباً، بينما تبقى من عمر حكومة الدبيبة مدة لا تزيد عن 8 أشهر.

وأوردت لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة جملة ملاحظات قانونية ومالية وشبهات فساد حول موازنة الدبيبة، وقالت في تقريرها إلى رئاسة البرلمان: “يتّضح من خلال دراسة مشروع قانون الميزانية أنّه أعدّ على عجل، فلم يترجم الأهداف التي تسعى الحكومة إلى تحقيقها على شكل برامج ومشاريع واضحة، ورغم تخصيص مبالغ كبيرة في مشروع الميزانية إلا أنّه لم يراعِ المناخ والظروف الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية الملائمة لإنفاق هذه الأموال كي تحقق الهدف من إنفاقها”.

وأضاف البيان: “الموازنة لم تراعِ القدرة الاستيعابية للاقتصاد الوطني، فإنفاق مبلغ يقترب من 100 مليار دينار خلال فترة أقل من سنة دون خطط وبرامج معدة مسبقاً سيكون له الأثر السيئ على الاقتصاد الوطني”.

موازنة غير دستورية

بحسب تقرير اللجنة، استند مشروع قانون الميزانية العامة على القانون رقم (25) لعام 2016، بشأن توزيع ضريبة الجهاد، الذي صدر عن المؤتمر الوطني العام، الذي انتهت ولايته في آب (أغسطس) 2014، وهو قانون باطل، ولا يجوز الاستناد عليه.

إلى جانب أنّ الحكومة خالفت القوانين بوضع بنود عامّة في الموازنة دون تحديد أوجه الصرف بدقة، ومنحت الحكومة لنفسها حقّ التصرف بحرية واسعة في إنفاق مخصصات الدين العام، ما يلغي الدور الرقابي لمجلس النواب على تنفيذ مشروع قانون الميزانية.

خالف مشروع قانون الموازنة الدستور

وفي المادة (28) من مشروع قانون الميزانية، منحت الحكومة لنفسها الحقّ في التصرّف بحرّية في بند المرتبات، وفي ذلك مخالفة قانونية، فعلى الحكومة تقديم هيكل واضح للمرتبات، يتمّ إقراره بقانون صادر عن مجلس النواب.

مخالفات اقتصادية

إلى جانب ما سبق، اعتمدت الحكومة في موازنتها على الإيرادات النفطية كدخل شبه وحيد لتمويل الإنفاق، دون تحديد دقيق لحجم الإيرادات النفطية المتوقعة، فضلاً عن أنّ الحكومة سمحت لنفسها بحرّية التصرف في جميع إيرادات الدولة النفطية، بعد إقرار الموازنة لتغطية العجز في بنود الإيرادات الأخرى، وهو ما رفضته اللجنة، التي طالبت بإيداع العائدات التي تزيد عن تقدير الحكومة في المصرف المركزي كاحتياطي لمواجهة الطوارئ.

وطالبت اللجنة بالعمل على إيجاد مصادر إضافية بديلة لتمويل الميزانية أو البحث عن آليات لتمويل بعض المشروعات من خارج الميزانية العامة، من خلال فتح المجال أمام القطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية في تمويل مشروعات التنمية، ووضع بدائل لمواجهة أيّة متغيرات في قيم الإيرادات، خاصة النفطية.

وكانت الحكومة اعتمدت في حساب الإيرادات النفطية على إنتاج مقدر بنحو 1.1 مليون برميل يومياً، بسعر 60 دولاراً للبرميل، على الرغم من تقديم المؤسسة الوطنية للنفط ثلاثة مقترحات، تشمل إنتاج 800 ألف برميل، 1.1 مليون برميل، 1.2 مليون برميل، وفق متوسطات أسعار 50 و55 و60 دولاراً للبرميل، وانتقدت اللجنة طريقة احتساب الحكومة لعائدات النفط.

وفي سياق متصل، أعلنت المؤسسة العامة للنفط عن تراجع الإنتاج دون مليون برميل نفط يومياً، بسبب رفض المصرف المركزي تحويل المخصصات المالية للشركات النفطية لإجراء أعمال الصيانة والتطوير، وتراكم الديون على هذه الشركات، ما أدّى إلى توقف عقود الصيانة وتراجع الإنتاج.

وتعود الأزمة إلى تحكّم رئيس المصرف المركزي، الصديق الكبير المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، في المصرف بالمخالفة للقانون، وعدائه الشديد للمؤسسة الوطنية للنفط، بسبب الصراع السياسي في البلاد.

وخصصت الحكومة مبلغ 705 ملايين دينار للعلاج في الخارج، وهو مبلغ كبير جداً بحسب لجنة التخطيط البرلمانية، والتي رأت فيه باباً واسعاً للفساد. وفي بند الابتعاث الدراسي الخارجي، وضعت حكومة الدبيبة زيادة قدرها مليار دينار عن موازنة العام السابق، وهو ما انتقدته اللجنة بشدة.

وشدّدت اللجنة على ضرورة وجود برامج دقيقة للإنفاق الحكومي، لمنع الفساد المالي، ففي بند المشروعات المحلية طلبت الحكومة تخصيص 2 مليار دينار دون تحديد أوجه الإنفاق، ومبلغ 2.4 مليار دينار لمشاريع إعادة إعمار لم تذكرها، و3 مليارات دينار لدعم الأدوية، وهو مبلغ كبير جداً، وأحد أبواب الفساد، ومبلغ 600 مليون دينار للنظافة العامة، وهو رقم يفوق الاحتياجات الفعلية.

دعم الميليشيات

وبحسب مشروع القانون المقدم من الحكومة، طلب الدبيبة اعتمادات مالية كبيرة للميليشيات التي تسيطر على العاصمة، ومنها؛ جهاز الردع لمكافحة الجريمة المنظمة والإرهاب، وقوة مكافحة الإرهاب، وجهاز دعم الاستقرار.

ملاحظات لجنة التخطيط حول نفقات الميليشيات

وطلبت لجنة التخطيط من الحكومة الالتزام بالقانون المنظم لعمل الهيئات العسكرية، وعدم ضمّها إلى رئاسة الحكومة، والالتزام بما نظمه القانون من تبعيتها للمجلس الرئاسي، وإضافة القيادة العامة للجيش إلى الموازنة، تحت مخصصات المجلس الرئاسي.

وتعليقاً على مشروع قانون الميزانية، يرى الناشط السياسي البرقاوي، زياد السنوسي؛ أنّ حكومة الدبيبة يفترض أنّها مؤقته، لديها واجبات محددة، من أهمها؛ إنجاز الانتخابات، وليس من حقها طلب 97 مليار دينار، ولا تفسير لمطلبها سوى نية مبيته لنهب المال العام.

وأضاف السنوسي، في حديثه لـ “العربي ستريت”؛ أنّ “كلّ المؤشرات وأبواب الميزانية والتقسيم تدلّ على أنّها ميزانية للنهب الممنهج، ومنها؛ تخصيص مبالغ كبيرة لباب الطوارئ والمصروفات التشغيلية دون تحديدها، ومنح رئيس الحكومة حرية التصرّف فيها مثلما كان الحال في حكومة فايز السراج، وليس هناك ضمان لمراقبة أداء الحكومة، في ظلّ غياب قيادات حيادية على رأس الأجهزة الرقابية؛ مثل ديوان المحاسبة والرقابة الإدارية”.

وأوضح السنوسي؛ أنّ سبب تأخر اعتماد الميزانية هو إصرار رئيس مجلس النواب على تطبيق الاتفاق السياسي بين الأطراف والقاضي في إحدى نقاطه بتغيير محافظ مصرف ليبيا المركزي، وكلّ أصحاب المناصب السيادية الأخرى، ومشاركة برقة في اتخاذ القرار، لمنع انفراد الميليشيات والإخوان وقيادات مصراتة بالمال العام والقرار السياسي، ومنع انزلاقها إلى سلطة رئاسية تشبه حكومة السراج.

 

زر الذهاب إلى الأعلى