تقارير

ليبيا: الدبيبة يثير الجدل في زيارته إلى تركيا

حامد فتحي

زيارة مثيرة للجدل قام بها رئيس حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، إلى تركيا، على رأس وفد رفيع المستوى، زادت الشرخ بين الشعب الليبي، بسبب تأكيد الدبيبة على الاتفاقيات الغير شرعية مع أنقرة، واستمراره في اصطحاب رئيس أركان ما يُعرف بالجيش في طرابلس.

الدبيبة، الذي لم تطأ قدماه بنغازي حتى اليوم، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشكّ، انحيازه إلى النهج الأحادي لجماعة الإخوان المسلمين وحلفائهم من الميليشيات المتطرفة، حين استمع إلى تطاول أردوغان على قائد الجيش الوطني، خليفة حفتر، دون ردّ.

الاستقبال الرسمي للدبيبة

الدبيبة في أنقرة

بدأ رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية، عبد الحميد الدبيبة، زيارة رسمية إلى تركيا، الإثنين، الثاني عشر من الشهر الجاري، لمدة يومين، على رأس وفد وزاري رفيع المستوى، ضمّ 14 وزيراً، لحضور الاجتماع الأول المشترك لمجلس التعاون الإستراتيجي رفيع المستوى بين دولة ليبيا وجمهورية تركيا، بهدف تحسين العلاقة القائمة على الصداقة والأخوة الراسخة على أساس المنفعة المتبادلة والاحترام والمساواة وتعميق وتنويع التعاون بين البلدين، بحسب ما أعلنته حكومة الدبيبة رسمياً.

وبدأ الدبيبة زيارة إلى ضريح مؤسس الجمهورية التركية، مصطفى أتاتورك، وهي الزيارة التي أثارت الجدل، نظراً لتاريخ الأتراك العثمانيين المشين في ليبيا، بينما لم يقم الدبيبة بزيارة مماثلة لضريح الشهيد عمر المختار، الذي قاد الكفاح الوطني ضدّ الاحتلال الإيطالي للبلاد.

وعقدت اللجنة اجتماعها في اليوم الأول للزيارة، وتمّ خلال الاجتماع التأكيد على أهمية حماية سيادة ليبيا واستقلالها وسلامة أراضيها ووحدتها السياسية في جميع أنحاء البلاد في الشرق والغرب والجنوب، وأنّ المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية هما السلطة التنفيذية الشرعية الوحيدة لليبيا، والتي تم تحديدها من خلال الانتخابات التي أجريت في اجتماع منتدى الحوار السياسي الليبي.

كما تم التأكيد على أنّ المشكلات في ليبيا يمكن حلّها من بالأساليب السياسية، التي تقودها ليبيا، والمملوكة في إطار الاتفاق السياسي الليبي الموقع 2015، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، واستنتاجات مؤتمر برلين وخريطة طريق منتدى الحوار الليبي، إضافة إلى أهمية إسهام تركيا لضمان وقف دائم ومستدام لإطلاق النار.

وحضر الدبيبة اجتماع المنتدى الاقتصادي الليبي – التركي في إسطنبول، ودعا الشركات التركية إلى الاستثمار في كافة ربوع ليبيا، معلناً التزامه بسداد مديونيات الشركات التركية، بعد التأكد منها.

واللافت للنظر؛ أنّ الدبيبة لم يبقَ من عمر حكومته سوى 7 أشهر، ورغم ذلك يعقد لقاءات على مستوى إستراتيجي، بحضور وزراء الاقتصاد والتجارة، المالية، النفط والغاز، والتخطيط، والصناعة، والإسكان والتعمير، والحكم المحلي، ورئيس مجلس إدارة الشركة العامة للكهرباء.

وكانت جولات الدبيبة الخارجية أثارت استياءً كبيراً بين الليبيين، وعدّوها مخالفة للمهمة التي تشكّلت السلطة الانتقالية من أجلها، وهي رأب الصدع، وتحضير البلاد للانتخابات العامة المزمع عقدها بنهاية العام الجاري.

وبدلاً من قيام الدبيبة بجولات داخلية موسعة، والتواصل بشكل أفضل مع البرلمان من أجل تمرير قانون الموازنة العامة للدولة، قام بجولات خارجية شملت دول الخليج، ثم تركيا، التي سبق وقام بزيارة غير معلنة إليها.

زيارة المنفي إلى اليونان

غاز شرق المتوسط

وخلال اجتماع منتدى التعاون الإستراتيجي، أكّد الدبيبة التزامه باتفاق ترسيم الحدود البحرية، الذي لم يحظَ بتصديق البرلمان، والذي أثار جدلاً كبيراً في الداخل والخارج، وتسبَّب في تأزم علاقات طرابلس بدول شرق المتوسط.

وفي انسياق تامّ لتطلعات تركيا في شرق المتوسط؛ دعا أردوغان والدبيبة إلى تأطير الاتفاقية، وضرورة عقد مؤتمر إقليمي لكل الأطراف في شرق المتوسط، وهو الأمر الذي لن تقبل به أيّ من دول المنطقة.

وفي خطوة تبدو كاشفة لغياب الانسجام داخل مكونات السلطة الجديدة، زار رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، العاصمة اليونانية، أثينا، في الثالث عشر من الشهر الجاري، في الوقت الذي كان فيه الدبيبة في أنقرة، وعقد خلالها مباحثات ثنائية مع كلٍّ من رئيس الجمهورية، السيدة إيكاتيريني ساكيلاروبولو، ورئيس الوزراء، السيد كيرياكوس ميتسوتاكيس، ركّزت على العلاقات الثنائية بين البلدين وسبل تعزيزها، ومناقشة كلّ القضايا العالقة، كما تبادل الجانبان وجهات النظر حول القضايا ذات الاهتمام المشترك.

وأعلن رئيس الوزراء اليوناني، أنّ بلاده اتفقت مع السلطات الليبية الجديدة على استئناف محادثات ترسيم حدود المناطق البحرية في المتوسط فوراً، بينما نفى المنفي ذلك، في بيان نشرته وسائل الإعلام التركية والمحسوبة على الإخوان المسلمين.

وفي أنقرة عقد اجتماع ثلاثيّ، ضمّ وزيرة الخارجية والتعاون الدولي الليبية، نجلاء المنقوش، ونظيرَيها؛ التركي مولود تشاووش أوغلو، والمالطي إيفاريست بارتولو.

وشهدت زيارة الدبيبة توقيع الوزراء على العديد من مذكرات التعاون والتفاهم، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية، والتبادل التجاري، وبحث استئناف المفاوضات بشأن اتفاقية التجارة الحرة، إضافة إلى الدور المحتمل للمقاولين الأتراك والقطاع الخاص في عملية إعادة الإعمار في ليبيا، والتأكيد على الالتزام بمعالجة القضايا العالقة للشركات التركية، وفقاً  للعقود الصحيحة لهذه الشركات وفي إطار التشريعات السارية بالبلدين، وبما يضمن مصالح طرفي التعاقد.

وعبّر الجانبان عن عزمهما على مواصلة جهودهما لتعزيز التعاون الثنائي في مجالات؛ الدفاع والصحة والسياحة والتعليم والثقافة والإعلام والاستثمارات المتبادلة والبلديات والتمويل، واتّفق الجانبان على متابعة نتائج الاجتماع الأول للجنة عن كثب، وعقد الاجتماع التالي في ليبيا.

حكومة انتقالية أم ماذا؟

وأصابت السلطة الانتقالية الجديدة أطيافاً واسعة من الليبيين بخيبة الأمل، بعد أن حادت عن طريقها في تهيئة البلاد للانتخابات، وشرعت في ممارسة دور يتجاوز المهلة المتبقية لها، وهو ما فتح الباب أمام تحليلات واسعة تشكّك في عقد الانتخاباتبنهاية العام الجاري، على الرغم من التأكيد الدولي على ضرورة الالتزام بالموعد المحدد.

المحلل السياسي الليبي، محمد قشوط

ولم يناقش البرلمان الليبي بعد القاعدة الدستورية التي ستجرى على أساسها الانتخابات، لتحصين الحياة السياسية من العوار الدستوري، ولا يبدو أنّ حكومة الدبيبة التي خالفت أحكام القضاء الليبي، ببطلان اتفاقيتَي؛ التعاون الأمني وترسيم الحدود البحرية مع تركيا، تولي مسألة تسليم السلطة إلى حكومة منتخبة اهتمامها، وربما تريد فرض أمر واقع لتمديد الفترة الانتقالية، في ظلّ عدم إنجاز تقدم يُذكر في مسار عمل اللجنة العسكرية، واللجنة الدستورية، والمناصب السيادية.

ومن جانبة، يرى المحلل السياسي الليبي، محمد قشوط؛ أنّ سفر الدبيبة على رأس وفد من 14 وزيراً و5 مساعدين له، هو لتقديم الترضية لأردوغان، وتطمينه بأنّ مصالحه مضمونة، وتأكيد على شرعية وجود قواته في الغرب.

وأضاف قشوط، في حديثه لـ “العربي ستريت”؛ أنّ “اصطحاب الدبيبة لمحمد الحداد، بصفته رئيس أركان الجيش، يمثّل استفزازاً كبيراً، وإعاقة لجهود اللجنة العسكرية، ويكشف تكرار تجربة حكومة السراج، التي خضعت لميليشيات طرابلس، وتحوّلت من حكومة وحدة وطنية إلى حكومة تنفّذ أجندات الميليشيات”.

واستنكر قشوط حديث الدبيبة عن إعادة الإعمار، ودعوته للشركات التركية للمساهمة فيه، مؤكداً أنّ “ذلك يحوّل البلاد إلى كعكة تتنافس عليها القوى الدولية، التي ستضغط للحصول على نصيب، أسوةً بوعود الدبيبة لتركيا”.

وكانت حكومة الدبيبة حصلت على ثقة البرلمان، في 10 آذار (مارس) الماضي، ومن المفترض أن تعقد الانتخابات العامة في 24 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، وهو الأمر الذي يبدو بعيد المنال، في ظلّ عدم الاتفاق على القواعد الدستورية وتوحيد المؤسسات.

زر الذهاب إلى الأعلى