تقارير

ليبيا أمام معركة «كرسي الرئيس»

جمال جوهر

تعيش ليبيا، هذه الأيام، حالة متسارعة، على جميع المستويات، من المشاورات السياسية والتحالفات النادرة بين الأطراف الفاعلة محلياً ودولياً، بقصد وضع تصور لشكل المرحلة المُقبلة، حال إذا أُجري الاستحقاق الانتخابي المُرتقب في موعده قبل نهاية العام، أو تأجل لاعتبارات «أمنية وسياسية».

فطرابلس العاصمة، التي شهدت توافداً وزارياً عربياً ودولياً نهاية الأسبوع «لتقييم تقدم الاستعدادات نحو الانتخابات»، لم تكن بمنأى عن «صراعات السلطة والاختصاصات» التي تَفجر شيء منها بين رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» عبد الحميد الدبيبة، ونائبه عن المنطقة الشرقية حسين القطراني، وعكست إلى حد بعيد حالة الاستقطاب بين شرق ليبيا وغربها. هذا إلى جانب حروب مستترة على حكم البلاد، ما ساهم في عودة المناكفات السياسية والتلويح بتشكيل حكومة بديلة، فضلاً عن استدعاء مسميات تحض على الكراهية وتُشكك في الذمم.

 

دفعت الأوضاع الراهنة في ليبيا محمد المنفي، رئيس «المجلس الرئاسي»، إلى طبرق (بأقصى شمال شرق البلاد) للعمل على منع تفسخ أركان حكومة الدبيبة. وأعلن من هناك أنه بحث توحيد المؤسسة العسكرية وتثبيت وقف إطلاق، مع القائد العام لـ«الجيش الوطني» المُكلف الفريق أول عبد الرازق الناظوري، الذي أدى له التحية العسكرية بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الليبية، في مشهد ابتهج له المؤيدون والمعارضون معاً.

غير أن الأجواء الاحتفالية والحفاوة القبائلية التي قُوبل بها المنفي في طبرق، التي لقّبها الملك الراحل إدريس السنوسي بـ«دار السلام»، لم تفلح في التغطية على النار المُتقدة تحت الرماد المتعلقة بكيفية السيطرة على ليبيا في مقبل الأيام. ويرى متابعون في تصريحاتهم لـ«الشرق الأوسط» أنه ما إن تُتدارك المشكلات فإنها ستعاود الاشتعال وتهدد المسار السياسي برمّته، بل ستفتح الباب ثانية أمام الصراع المسلح.

ونبّه هؤلاء إلى أن كل معسكر يعمل من جهته على تقويض جهود المعسكر المقابل بهدف إقصائه عن المشاركة في الانتخابات المرتقبة، بل تشويهه أمام الشعب!

 

– – لا استقرار في وجود «المرتزقة»

ومن ثم، أمام اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والنيابية المزمع إجراؤها بعد شهرين من الآن، اتجهت السلطة التنفيذية المؤقتة الممثلة في «المجلس الرئاسي» وحكومة «الوحدة الوطنية» إلى عقد مؤتمر دولي، احتضنته ليبيا لأول مرة منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي.

المؤتمر المنعقد بـ«دعم استقرار ليبيا»، عدّته بعثة الاتحاد الأوروبي «فرصة مهمة لتقييم التقدم المُحرَز في تنفيذ اتفاقات برلين، والاستعدادات الجارية للانتخابات».

ولكن بينما كانت الوفود الأجنبية تتناقش في لقاءات مفتوحة ومغلقة بفندق «كورنثيا» المُطل على البحر المتوسط، حول مستقبل ليبيا، ومدى إمكانية إجراء الانتخابات، تمسّكت أحزاب وتكتلات سياسية، وأيضاً صحافيون وإعلاميون ومثقفون ليبيون، بـ«ضرورة إجراء الاستحقاق في موعده دون تأخير». وقدّموا إلى المبعوث الأممي يان كوبيش، وأعضاء المؤتمر ما سموها «خطوات عملية لدعم الاستقرار» في البلاد، من بينها:

– إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية المباشرة بشكل متزامن، وفقاً لخارطة الطريق التي اعتمدها «ملتقى الحوار السياسي الليبي».

– إجلاء «المرتزقة» والقوات الأجنبية عن ليبيا، باعتبار أن وجودهم في البلاد «يتنافى مع الاستقرار، وبالتالي، لا قبول لهذه العناصر تحت أي مسمى».

كذلك غمز رؤساء الأحزاب والنُّخب الموقِّعة على البيان من قناة النزاع الحادث بين الدبيبة ونائبه القطراني، ورأوا أن «المصالحة الوطنية تبدأ من داخل الحكومة المؤقتة بعودة نائب الرئيس والوزراء والوكلاء المتوقفين عن أداء مهامهم، بسبب سياسة الإقصاء والتهميش وهيمنة الفرد ومحيطه».

ثم أردفوا أن المسار العسكري «يجب أن يبقى بعيداً عن تدخلات السياسة والسلطة التنفيذية، ويجب حماية اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) من سياسة الاحتواء وسحبها لمراكز الصراع السياسي».

وانتهوا إلى القول إن «التلاعب بالقوانين الإدارية المتعلقة بالتعاقدات والتكليفات لتنفيذ المشاريع المستعجلة يُعد إهداراً للمال العام، وكذا تفشي الفساد وتناميه يتطلب وقف التعاقدات السياسية من الحكومة المؤقتة، ودفعها لإيقاف نهجها الذي يضرب المسار السلمي ويعزز الانقسام والاصطفاف». وللعلم، شارك في «مؤتمر دعم استقرار ليبيا» ممثلون عن نحو ثلاثين دولة ومنظمات دولية. وكان قد عُقد في برلين في مطلع عام 2019 مؤتمرٌ دولي حول ليبيا تعهّدت خلاله الدول العمل على إخراج «المرتزقة» الأجانب من ليبيا والالتزام بمنع إرسال السلاح إليها وذلك للمساعدة في وقف الحرب في هذا البلد.

 

– تحالفات الشرق والغرب

يكاد الساسة الليبيون يُجمعون في كلامهم إلى «الشرق الأوسط» على أن أزمة بلادهم حالياً «سياسية أكثر منها أمنية، وهو ما يضعها على مفترق طرق». وتتمحور المعضلة، وفق رؤيتهم، «حول رغبة الساسة في الوصول إلى حكم البلاد»، وهو ما فسروه «بظهور تحالفات تجرى حالياً، وسيناريوهات متوقعة بين شخصيات نافذة في غرب ليبيا وشرقها بعضهم كانوا خصوماً في سابق الأيام». ورأوا أنه «ما كان لها أن تتم لولا النزوع نحو السلطة والرغبة في الوصول إلى كرسي الحكم بأي ثمن».

وهنا نشير إلى أنه لم يتبق سوى 61 يوماً على موعد إجراء الانتخابات الليبية، وتطوى المدة التي حددها «ملتقى الحوار السياسي»، غير أن الباب لم يُفتح بعد للترشح رسمياً أمام الراغبين في خوض غمار الماراثون سواءً على منصب رئيس الجمهورية، أو مقاعد مجلس النواب.

وبالنظر إلى الذين أعلنوا ترشحهم لمنصب الرئيس حتى الآن، تبرز أسماء قوية محتملة، بينها: المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي» المتقاعد من منصبه، وفتحي باشاغا وزير الداخلية السابق، والدكتور عارف النايض رئيس «تكتل إحياء ليبيا»، وسيف الإسلام القذافي نجل الرئيس الراحل معمر القذافي، بالإضافة إلى أحمد معيتيق نائب المجلس الرئاسي السابق.

هذا، ويعوّل قطاع كبير من الساسة في غرب ليبيا على الدبيبة، لخوض غمار المنافسة. وهم يرون أنه «ينتظر اللحظة المناسبة لطرح نفسه أمام الشعب»، إذا ما تم الاتفاق بشكل نهائي على قانونَي انتخاب الرئيس ومجلس النواب، بعد إجراء تعديلات عليهما، ومن ثم فتح باب الترشح. إلا أن خصوم الدبيبة –وبالذات، في شرق ليبيا- اتهموه بأنه استبق موعد الانتخابات بالدعوة إلى مؤتمر دولي يُعقد في طرابلس، بغية «السعي لتمديد المرحلة الراهنة، والبقاء في السلطة وإضاعة فرصة أن يكون لليبيا رئيس كباقي دول العالم».

لكن الدبيبة طمأن، في المقابل، الليبيين ورد على هذه الاتهامات أمام الوفود الوزارية المشاركة في المؤتمر الذي ترأسه وزير الخارجية الكويتي الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح، مع نظيرته الليبية نجلاء المنقوش. وقال: «هذا المؤتمر ليس تنصّلاً من أي تعهدات التزمت بها حكومتنا سابقاً، بل هو تأكيد على استمرار دعمنا لتنفيذ الانتخابات والمساهمة في توفير الظروف الجيدة لانعقادها، وتشجيع الأطراف الليبية كافة على احترام نتائجها».

وبالفعل، جاء البيان الختامي للمؤتمر ليؤكد «أهمية اتخاذ التدابير اللازمة والاستحقاقات لبناء الثقة، وخلق بيئة مناسبة من أجل عقد الانتخابات الوطنية بشكل نزيه وشفاف وجامع في موعدها».

 

– حديث المؤامرة

من جهة أخرى، على الرغم من تأكيد الدبيبة المضي قدماً في المسار الانتخابي، يبدو أن جبهة شرق ليبيا ما زالت غير مقتنعة. إذ رأى طارق الجروشي، عضو لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب، أن «أي مبادرة لا ترتكز على إجراء الانتخابات في موعدها تُعد مؤامرة مدبّرة، خصوصاً في ظل الظروف السياسية السلبية السيئة التي تمر بها البلاد».

وتابع خلال تصريح صحافي: «اللافت للنظر والمثير للجدل معاً أن تدعو الحكومة مع اقتراب موعد الانتخابات لمبادرة استقرار وسلام لا تتضمن أهم عوامل لإنجاح الانتخابات الرئاسية والبرلمانية». وذهب إلى أن مَن وصفهم بـ«المتطرفين السياسيين والمستفيدين من السلطات الحالية، يسعون إلى إيجاد مبررات لبقاء الوضع على ما هو عليه، لا سيما أن المجلس الرئاسي والحكومة يسعيان إلى التشويش وتشويه مشهد الانتخابات، وشيطنة المرشحين البارزين».

ليس هذا فحسب، بل رأى الجروشي أيضاً أن الانتخابات المقبلة «هي الحد الفاصل بين الدولة واللادولة وبين السلطة واللاسلطة»، قبل أن يحذّر من تبعات «تأخيرها أو تأجيلها وتأثير ذلك سلبياً على المسار الديمقراطي». ثم حمّل الجروشي رئيس وأعضاء مفوضية الانتخابات «المسؤولية الكاملة عن فشل الاستحقاق وتداعياته المأساوية على البلاد، خصوصاً أن مجلس النواب أصدر التشريعات اللازمة للانتخابات وأنهى ما عليه من واجب وطني وقانوني».

بموازاة ذلك، ومع استمرار الخلاف على شكل القوانين التي ستُجرى الانتخابات الرئاسية على أساسها، نبّه المحلل السياسي فرج فركاش، إلى ما وصفها بمحاولة «استغلال قلة من المسيطرين على مجلس النواب في طبرق المؤتمر الدولي في طرابلس… والعمل في الخفاء والغرف المظلمة على تمرير تعديلات على قانون الانتخابات الرئاسية، لضمان إقصاء أطراف بعينها تهدد حظوظ مرشحيها بعيداً عن رأي باقي النواب».

وانتهى فركاش في إدراجه، إلى أن ما أطلق عليها تعديلات «اللحظة الأخيرة» من شأنها «تهديد استقرار البلاد»، إذ إن «الكارثة الكبرى -حسب رأيه- ستحُلّ لو قبلت المفوضية العليا هذه التعديلات غير المنطقية»!

وهكذا، مع تصاعد وتيرة «تسخين» الوضع المتأزم بين المؤيدين للسلطة المؤقتة والمعارضين لها، في إطار الحرب الدائرة للوصول إلى كرسي الحكم، طرح «مجلس أعيان ليبيا للمصالحة» مبادرة تهدف إلى «تنسيق الجهد بين كل من يرى في نفسه القدرة على السمو بالوطن فوق التوجهات والانتماءات الفرعية الضيقة». وقال المجلس إن «العمل الداخلي والقاعدة الاجتماعية أساس نجاح التعافي الذاتي للوطن، ومن ثم، فكل المشاورات الدائرة هذه الأيام تدل على شعور بالمسؤولية».

 

– التعامل مع الرئيس المقبل

وفي سياق موازٍ، مع توعّد بعض الأطراف السياسية بأنها لن تعترف بنتائج الانتخابات المنتظرة، بل ستسعى للطعن عليها قضائياً، سارعت قوى دولية من بينها ألمانيا والولايات المتحدة إلى إعلان استعدادها للتعاون مع أي سلطات تفرزها الانتخابات الليبية المقبلة. إذ أكد السفير الألماني لدى ليبيا ميكاييل أونماخت، في لقاء جمعه بنائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي عبد الله اللافي، مواصلة بلاده العمل من أجل دعم المسار السياسي الهادف لتحقيق الاستقرار في ليبيا. كذلك أبدى نيلس آلن، وزير الدولة للشؤون الخارجية الألمانية، إبان وجوده خلال نهاية الأسبوع في طرابلس جاهزية بلاده لتقديم الدعم الفني والاستشاري للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات الليبية، والتعاون معها «في سبيل الإيفاء بمهامها خلال هذه المرحلة المهمة من تاريخ ليبيا، لما يمثله استقرار ليبيا على أمن وسلام المنطقة».

ولقد شارك في المؤتمر عدد من وزراء الخارجية بينهم وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، والمصري سامح شكري، والفرنسي جان إيف لودريان، والإيطالي لويجي دي مايو، في حين تمثلت الولايات المتحدة بالمسؤولة في وزارة الخارجية يائيل لمبرت.

الأولوية بالنسبة إلى المجتمع الدولي تكمن في إجراء الانتخابات البالغة الأهمية في ليبيا، بيد أنه لا تزال تحيط بها شكوك كثيرة بسبب الانقسامات الداخلية الحادة. ولقد شددت نائبة الأمين العام للأمم المتحدة روز ماري دي كارلو، خلال لقائها رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات عماد السائح، على دعم الأمم المتحدة لانتخابات مهنية تحظى بالقبول والثقة من كل الأطراف. وهي ترى أنها «حل سلمي ينفتح على آفاق مستقبلية لدولة قوامها الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة»، قبل أن تؤكد دعم الجمعية العامة للأمم المتحدة الجهود المبذولة لنجاح هذا المسار الديمقراطي.

الشرق الأوسط

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى