تقارير

كيف زاد خطاب أردوغان من معاناة مسلمي الهند؟

حامد فتحي

يعيش المجتمع الهندي أزمات طائفية ودينية وعرقية واجتماعية كبيرة، يعدّ أبرزها وأعنفها الصراع الديني بين الهندوس والمسلمين، والذي تأزم منذ خروج الاستعمار، وتأسيس الهند وباكستان على أساس دولتين؛ واحدة ذات غالبية هندوسية وأخرى ذات غالبية مسلمة، وتسببت أزمة إقليم جامو وكشمير بين الطرفين في نمو خطاب الكراهية والعنف الديني.

وسعياً لتوطيد علاقاته بباكستان، في إطار التنافس على زعامة العالم الإسلامي، دخل الرئيس التركي، أردوغان، على خطّ النزاع الهندي – الباكستاني، وذلك من منطلق ديني، إلى جانب توظيف أوضاع مسلمي الهند من أجل إثارة مشاعر المسلمين، عبر خطاب حادّ ينتقد فيه سياسات الهند وأوضاع المسلمين هناك، دون إدراك للآثار السلبية لمثل هذا الخطاب الديني على أوضاع المسلمين في الهند، الذين يواجهون خطر التطرف القومي الهندوسي.

ولم يُسهم خطاب أردوغان في تخفيف معاناة مسلمي الهند المتقطعة، بل فتح الباب أمام تراشقات باسم الدين بين الهندوس والمسلمين، وأدّت سياسات تركيا في أفغانستان إلى نمو المخاوف الهندية، بسبب الدعم التركي لعدوتها باكستان، ما جعلها تبحث عن خيارات للردّ على التحركات التركية، كان من بينها إجراء مناورة عسكرية بحريّة مع اليونان، والحديث عن القضية القبرصية، وقضايا الأكراد، وغير ذلك.

أحلام الزعامة الإسلامية

رغم إخفاق مشاريع أردوغان الدينية في المنطقة العربية إلا أنّ خطاب الرجل الإسلامي يلقى صدى وقبولاً في العالم الإسلامي غير الناطق بالعربية، خصوصاً بين مسلمي أفريقيا غير العرب، ومسلمي آسيا في الدول ذات الأغلبية المسلمة، والأقليات المسلمة، كما في الهند، بسبب ابتزازه للعاطفة الدينية، واستغلاله للتمييز ضدّ الأقليات المسلمة، ومناصرته الخطابية الحادة لقضايا دول إسلامية مثل الصراع بين باكستان والهند.

صداقة قوية تجمع أردوغان وعمران خان

وكان لقضية إقليم جامو وكشمير، المتنازع عليه بين الهند وباكستان منذ الاستقلال عن بريطانيا عام 1947، نصيباً كبيراً في خطابات أردوغان، وذلك خلال خطاباته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، رغم عدم تدخّل مجلس الأمن في قضية كشمير، والتي تعدّها الدول الكبرى قضية ثنائية بين الدولتين.

وكان أردوغان قد وصف الهند، العام الماضي، بأنّها “أصبحت الآن دولة تنتشر فيها المجازر. أية مجازر؟ مجازر ترتكب ضدّ المسلمين. على يد من؟ الهندوس”، وخلال أزمة مسلمي ولاية آسام الهندية الأخيرة، والتي نتج عنها مقتل خمسة أشخاص، وتهجير آلاف المسلمين، بذريعة أنّهم غير هنود ولاجئون من بنجلاديش، لم يصرح أردوغان علانية بموقف عدائي ضدّ الهند، وإن عبّرت وسائل الإعلام التركية والعربية التي تدور في فلكها عن موقف تركيا من خلال شنّ حملة إعلامية ضدّ الهند.

واستنكر “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين”، الموالي لتركيا، ما يتعرض له مسلمو الهند، خاصّة بولاية آسام، من “اضطهاد وعنف ممنهج”، مطالباً حكومة نيودلهي باحترام حقوق الأقلية المسلمة الدينية والاجتماعية، والأمم المتحدة بإيقاف هذه الجرائم التي قد تصل إلى حدّ “جرائم حرب ضدّ الإنسانية”.

وقال الاتحاد إنّه “يستنكر ما يتعرض له المسلمون في الهند، خاصة في ولاية آسام، من العنف الممنهج والقتل وأشكال الاضطهاد في حقوقهم وحريتهم الدينية وحياتهم الاجتماعية، ومحاولات إكراههم على التهجير من بيوتهم”.

واحتفت وكالة “الأناضول” بالشكر الذي رفعه الأمين العام للمنتدى العالمي للتوعية حول كشمير “غلام نبي فاي” للرئيس التركي أردوغان، بعد حديثه حول كشمير خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقال فاي: “لقد أوضح الرئيس أردوغان سياسته الثابتة تجاه كشمير، وشجعت كلماته شعب كشمير؛ حيث شدّد على الحاجة إلى السلام في كشمير، كما في أيّ مكان آخر، ولهذا يقدم شعب كشمير الشكر للرئيس أردوغان”.

 استغلال مسلمي الهند

لا شكّ في عدالة القضايا التي يتناولها أردوغان بخصوص مسلمي الهند وحلّ النزاع في غامو وكشمير، لكن من المستبعد أن يكون أردوغان قد دافع من منطلق إنساني، فالرجل الذي لا يتورّع عن قطع المياه عن ملايين من المسلمين، كونهم من الأكراد فقط، ويعتقل عشرات الآلاف من شعبه، ويقتل بدم بارد الآلاف في سوريا وليبيا والعراق، لا يتّخذ موقفاً ذو تكلفة باهظة مع دولة كبرى، مثل الهند، إلا إذا كان يرى مكاسب كبرى منتظرة.

ولا ينفصل موقف أردوغان تجاه الهند عن سياسته الحالية للهيمنة والزعامة الدينية على مسلمي آسيا، بعد إخفاقه الذريع في المنطقة العربية؛ لهذا يبني أردوغان علاقات قوية مع باكستان، خصوصاً رئيس وزرائها عمران خان، الذي ارتضى أن يكون أداة لتلميع صورة أردوغان، وما كان التدخل التركي في أذربيجان إلا خطوة نحو تحقيق هدف الهيمنة على مسلمي آسيا.

يتنامى التطرف الهندوسي ضدّ المسلمين في الهند

وكان الأجدر بأردوغان استغلال علاقات بلاده مع الهند في الدفع نحو تعزيز حقوق الأقلية المسلمة، بدلاً من خطاب عدائي يجلب على المسلمين والإسلام خطاباً مضاداً آخر من المتطرفين الهندوس، ويؤزّم العلاقة بين المسلمين والهندوس، ولا يبدو أنّ قادة المجتمعات الإسلامية في الهند يرحبون بخطاب أردوغان، كونهم يدركون ألا مفرّ من معالجة أزمة التطرف الديني داخل المجتمع الهندي، دون استعانة بوصاية خارجية تجلب عليهم غضباً رسمياً وشعبياً.

ولهذا شرعت جمعيات إسلامية في تنظيم حملات لتعريف الهندوس بحياة المسلمين الدينية، وتنظيم برامج لزيارة المساجد، والاستماع إلى الخطب والمواعظ، للتأكد من خلوها من خطابات الكراهية والتطرف، وهي سياسة ناجحة في محاربة الإسلاموفوبيا، والخوف الهندوسي من التطرف داخل المجتمعات المسلمة.

وأحد مظاهر تدخّل تركيا التي تضرّ بمسلمي الهند؛ الانخراط التركي الاستخباراتي بالتعاون مع المخابرات الباكستانية في الداخل الهندي، ورصدت أجهزة الاستخبارات الهندية قيام مؤسّسة الإغاثة التركية (IHH) بتوظيف أنشطتها الخيرية في دولة نيبال الحدودية مع الهند، لدعم أنشطة الاستخبارات الباكستانية، وتقديم الدعم لجماعات إسلامية متطرفة، تصنّفها الهند كجماعات إرهابية، وفق تقرير نشره موقع “TSG” الهندي. 

الغضب الهندي

ورداً على سياسة أردوغان، اتبعت الهند نهجاً من شقّين للتعامل مع تركيا؛ الأول تخفيض العلاقات الاقتصادية الثنائية، والمضي نحو مقاطعة ثقافية، والثاني تقوية العلاقات مع أعداء تركيا، مثل أرمينيا واليونان وقبرص.

وحول ردّ الفعل الهندي، ذكر أستاذ السياسة الدولية بجامعة لانكستر بالمملكة المتحدة، الدكتور أماليندو ميسرا، في تقرير نشرته مجلة “ناشيونال إنتريست” الأمريكية؛ أنّه ومن أجل تذكير أردوغان بأنّ تركيا في وضع صعب فيما يتعلق بوحدة أراضيها والموقف الدولي، سارع وزير خارجية الهند الذي كان حاضراً في الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى عقد اجتماع مع نظيره القبرصي لبحث طرح قرار في مجلس الأمن حول منطقة شمال قبرص المتنازع عليها، والتي تحتلها تركيا، وإعادة توحيد الجزيرة.

احتجاجات على اضطهاد المسلمين في ولاية آسام

وأضاف في مقاله: ولم يقتصر ردّ فعل الهند تجاه مواقف تركيا ضدّها على الهجوم الشفهي، فقد ألغت، عام 2019، زيارة كان من المقرر أن يقوم بها رئيس الحكومة الهندية لتركيا، وذلك بعد قرار الهند وقف صادراتها العسكرية لتركيا، ومن بينها الأسلحة ذات الاستخدام المزدوج، كما خفّضت الهند بدرجة كبيرة وارداتها من تركيا.

ويقول ميسرا: إنّ العلاقات السيئة بين الدولتين تسبّبت في حرب ثقافية باردة بينهما، فقد كانت تركيا وجهة مهمّة للمخرجين والممثلين الهنود لتصوير أفلامهم هناك، نظراً إلى ما تتمتع به من مواقع خلابة، لكن في السنوات الأخيرة أصبح هذا التبادل الثقافي يعاني من ضغط شديد، كما قاطع الأثرياء الهنود التردّد على تركيا للسياحة.

ودخلت نيودلهي في اتفاقية دفاع مع أرمينيا، الخصم التقليدي لتركيا وأذربيجان، من خلال صفقة بقيمة 40 مليون دولار، زودت نيودلهي يريفان بأربعة رادارات لتحديد مواقع الأسلحة من طراز “SWATHI” طوّرتها منظمة البحث والتطوير الدفاعية، كما انضمّت الهند إلى مجموعة الأصوات العالمية المعارضة التي تدين هجمات أنقرة عبر الحدود ضدّ القوات التي يقودها الأكراد في سوريا، وفق تقرير نشره موقع “مونت كارلو”.

وتعليقاً على ذلك، يرى المحلل السياسي التركي، ياوز آجار، أنّ أردوغان لم يتخلَّ تماماً عن خطابه الإسلاموي الفترة الماضية، واستغلّ فرصة صعود حركة طالبان في أفغانستان للعزف عليه وتأكيد روابطه الأيديولوجية معها لحصد مكاسب معنوية.

وأضاف آجاز في تصريح لـ “العربي ستريت”، أجندة أردوغان العقائدية سوف تبقى عنصراً محورياً في توجهاته السياسية في الداخل والخارج، على الرغم مما يبديه من تراجع في إطار سعيه لتحسين علاقاته مع محيطه العربي؛ لهذا من المؤكد أنّه لن يتخلى طموحاته الخاصة برغبته في زعامة العالم الإسلامي، ومن هذا المنطلق يأتي خطابه نحو الهند.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى