تقارير

كيف أصبحت سوريا مركز نشاط الكرملين؟

كريم شفيق

في ظلّ التنافس الجيوسياسي بين روسيا والولايات المتحدة، في الأزمة السورية، والممتدة لقرابة عقد كامل، يبدو أنّ ثمة محاولات بين الرئيسَين؛ الأمريكي جو بايدن، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، لجهة الوصول إلى تفاهمات بشأن عدد من الملفات التي تبرز تناقضات جمّة بينهما، من بينها الملف السوري، وذلك في محاولة لخفض التصعيد المتبادل، وقد بلغت العلاقات بين واشنطن وموسكو إلى “أدنى مستوياتها”، بحسب تصريحات رسمية من الرئيس الروسي، بيد أنّ تقديرات عديدة من مراقبين تشير إلى استمرار نقاط الخلافات، لا سيما أنّ توازنات القوى في مناطق التوتر لن تتغير.

بايدن وسياساته الجديدة في سوريا

وفي أعقاب القمة التي جمعت بوتين وبايدن، مؤخراً، صدر تقرير استخباراتي لوزارة الدفاع الأمريكية، تم تسليم نسخة منه للكونغرس، حذّر فيه من ممارسات وتحركات الميليشيات الموالية للنظام السوري وإيران، إضافة إلى نشاط مماثل من روسيا، وهو الأمر الذي تم وصفه بالـ “مريب”؛ إذ إنّ “الميليشيات الموالية للنظام في دمشق وإيران تعمد إلى تجسير العلاقات مع القبائل المحلية شرق سوريا، وفي المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، المدعومة من واشنطن، وذلك بهدف بعث حالة من اللااستقرار في المنطقة، وإضعاف الوجود الأمريكي فيها، من خلال دعم هجمات على قوات التحالف الدولي و”قسد”.

بوتين وبايدن

وبحسب التقرير الاستخباراتي الأمريكي، فإنّ “إيران وروسيا وحزب الله اللبناني، يحاولون تأمين وجودهم العسكري والاقتصادي الدائم في المنطقة”، لافتاً إلى أنّ “التواجد الإيراني بات في تنافس مع موسكو الساعية لتأمين فرص اقتصادية ونفوذ طويل الأمد في سوريا”، غير أنّ مصالح حزب الله وأهدافه في سوريا، تتصل على نحو مباشر بسعيه المحموم نحو “تأمين سيطرته على طول الحدود اللبنانية السورية، والحفاظ على خطوط الإمداد من إيران”.

ويعقّب على ذلك الدكتور مصطفى صلاح، الباحث المصري في العلوم السياسية، بأنّ “التقارير الأمريكية حول أنشطة روسيا وممارساتها، السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، في سوريا، لا تبدو جديدة أو مباغتة؛ فثمة تقارير سابقة مماثلة قد أشارت للأمر ذاته، وهو الأمر الذي ينطبق على الميليشيات المدعومة من الحرس الثوري الإيراني”، موضحاً لـ”العربي ستريت” أنّ “حزب الله يستولي في مناطق على الحدود السورية العراقية، تحديداً في ريف دير الزور، على أراضٍ زراعية هائلة وممتدة؛ وهذه المنطقة تعدّ جيباً حيوياً لتهريب السلع والبضائع والسلاح والحصول على الإمدادات العسكرية، والدعم اللوجستي، عبر التنسيق والتعاون المتبادلين مع الميليشيات العراقية، من بينها كتائب حزب الله، والمجموعات المسلحة الأخرى التابعة لهيئة الحشد الشعبي”.

أكثر من مجرد حضور عسكري

ويلفت صلاح إلى أنّ التحركات الميدانية للميليشيات المدعومة من طهران، والمتمركزة في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، في ريف حلب أو دير الزور، إنّما تهدف إلى تطويق قوات سوريا الديمقراطية، والذي يعني محاصرة الوجود الأمريكي وتضييق الخناق حوله.
وبحسب الباحث المصري في العلوم السياسية، فإنّ حلحلة الوجود الروسي من سوريا ليس أمراً هيناً؛ حيث إنّه، إلى جانب الوجود العسكري، لا يمكن أن نغض الطرف عن الاتفاقيات الإستراتيجية بخصوص استثمار المرافئ البحرية، ومن بينها مرفأ طرطوس، الذي تمّ استئجاره لقرابة نصف قرن، في وجود هو الأول من نوعه لروسيا على ساحل المتوسط منذ سقوط الاتحاد السوفييتي وتفكّكه.

ونهاية الأسبوع الماضي، صرح الرئيس الأمريكي، بأنّ نتائج وتبعات عدم احترام حقوق الإنسان “مدمرة” لروسيا، وقد أشار إلى أنّ “عدم اهتمام أمريكا بالسجناء في سوريا إنّما يرجع إلى خروقاتهم لاتفاقية الأسلحة الكيماوية، ومن ثم، لا يمكن الوثوق فيهم”. وأضاف بايدن: “الولايات المتحدة الأمريكية تريد المتاجرة، كما ترغب في تطور الاقتصاد الروسي، بحسب القوانين الدولية، لكن موسكو لن تكون لها علاقات طيبة مع واشنطن، أو أيّة دولة أخرى إذا انتهكت تلك القوانين”، كما لفت الرئيس الأمريكي إلى أنّ الولايات المتحدة لديها “قوات سيبرانية هائلة وسترد بقوة على أيّ هجوم سيبراني من روسيا”.

تأثيرات التنافس الجيوسياسي بين موسكو وواشنطن

وبحسب معهد واشنطن؛ فإنّ سوريا تشكل مركز نشاط الكرملين، حيث يستخدمها بوتين كنقطة انطلاق لإبراز قوته في جميع أنحاء المنطقة، وفي أوروبا وأفريقيا أيضاً، موضحاً أنّ “روسيا تواصل اتخاذ خطوات عملية على الأرض للتنافس على النفوذ في سوريا والدفع نحو تحقيق النتيجة المرجوة.. ويسمح موقع سوريا الإستراتيجي شرق البحر المتوسط لروسيا أيضاً بإبراز قوتها في الجناح الجنوبي لحلف “الناتو، وعلى نطاق أوسع، في أوروبا الجنوبية”.

الباحث محمد حسن

وفي حين تعدّ مصالح موسكو جيوسياسية، في المقام الأول، إلا أنّ هناك أيضاً جانباً تجارياً، يتعلق بشكل رئيس بالطاقة والأسلحة، إضافة إلى الأبعاد الثقافية والدينية، كما يوضح المعهد الأمريكي.
ويردف: “ولم تعلن الولايات المتحدة تحت قيادة بايدن بعد عن سياستها نحو سوريا، لكن من غير المرجح أن تكون دمشق من أولوياتها. وفي المقابل، ترى موسكو في الشرق الأوسط ساحة رئيسة لهذه المنافسة، وإذا استمر هذا الاتجاه، فستواصل روسيا تقاربها العميق أساساً مع إيران ووكلائها، وستكون لها في النهاية الكلمة الأخيرة بشأن مستقبل سوريا، وقد يؤدي ذلك إلى تجلي رابطة أكثر وضوحاً في العلاقة بين روسيا وإيران والأسد؛ الأمر الذي قد يتسبب في مزيد من نقاط الضعف للغرب وحلفائه، في المنطقة وأوروبا، على حدّ سواء، ولن يؤدي مثل هذا السيناريو سوى إلى الإضرار بالمنافسة الأمريكية مع الصين وروسيا”.

ومن جانبه، لا يرجح الباحث السوري، محمد حسن، وفق المعطيات الحالية على الأرض في سوريا، أن تحدث أيّة تغيرات في توازنات القوى في مناطق شمال شرق سوريا، حيث ما تزال الولايات المتحدة محافظة على دعمها لقوات سوريا الديمقراطية، عبر الإدارة الأمريكية الجديدة، الأكثر توازناً في دعمها من إدارة ترامب.
ويلفت حسن، في حديثه لـ “العربي ستريت”، إلى أنّ “الطارئ الوحيد الذي ربما تشهده الفترة القادمة هو تراجع الدور التركي، لا سيما في ظلّ الضغوط الكبيرة على الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، سواء على المستوى الداخلي المأزوم، حيث كشف زعيم المافيا التركية، سادات بكر، تورط عدد من المقربين من أردوغان في ملفات الفساد، أو بالضغوط من الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، الأمر الذي، ربما، يؤدي إلى انكماش التدخلات التركية في العديد من الملفات الإقليمية.

وفي هذه الحالة، ربما، تتراجع تركيا عن دعمها للفصائل السورية التابعة لها، وتشهد المنطقة إعادة رسم خرائط مناطق السيطرة والنفوذ.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى