مقالات

زيارة الرئيس التونسي إلى مصر.. قراءة في الدلالات

محمود الورواري

زيارة الرئيس التونسي ” قيس سعيد ” إلى القاهرة وما حظيت به من حفاوة شعبية على مستوى البلدين.

خلقت تساؤلات كبيرة في فهم الشعوب لتطورات المراحل السياسية وقراءة مآلات التجارب السياسية بين البلدين .

هنا أسئلة كثيرة عن عقل ” السوشيال ميديا ” أي الفهم والوعي والمعرفة التي يتحلى بها رواد مواقع التواصل الاجتماعي، هل هي فعلا كما يروج لها باعتبارها “فيل ” من الأصوات تحمل عقول العصافير؟

هذه الزيارة بالذات خالفت تلك القاعدة لأن التفاعل والحفاوة والاحتفال بزيارة ” قيس سعيد ” في هذا التوقيت بالذات، تجعلنا نتأكد أنها نتيجة فهم لمسار تجربتين سياسيتين مختلفتين تماما، هي التجربة المصرية خصوصا بعد ثورة 30 يونيو 2013، والتجربة التونسية بعد تعثر المسار التونسي إبان 2013 الذي تمثل في الصراع بين السلطة الحاكمة وقتها المتمثلة في حزب النهضة وبين حراك التيارات الليبرالية واليسارية نتج عنها اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي .

طبعا يؤخذ في الاعتبار ما حدث من تغيرات سياسية بعد ثورتي مصر وتونس، حيث وصل الإخوان في مصر إلى سدة رئاسة مصر حين تولي محمد مرسي الحكم في 2012، وقبلها تولى ” المنصف المرزوقي حكم تونس .

وفاز إخوان تونس وإخوان مصر بالانتخابات البرلمانية في البلدين .

ما بعد 2013 حدث نوعان من المعالجات السياسية للتعامل مع تيار الإسلام السياسي المتمثل في الإخوان المسلمين في البلدين .

مصر اتبعت منهج البتر الكلي للتيار وكان لها مبرراتها التي أثبت الزمن صدقها .

وتونس اتبعت مبدأ الاستيعاب والسماح لهم بممارسة السياسة باعتبار أن “إخوان تونس يختلفون عن إخوان مصر”، والتجربة أثبتت خطأ هذا المنهج والدليل الحال الذي وصلت إليه الشقيقة تونس الآن خصوصا بعد وفاة الراحل الباجي قائد السبسي في 2019 ثم تشكيل انتخابات برلمانية ورئاسية جاءت بالرئيس الحالي قيس سعيد .

قيس سعيد، يعيش ويعيش معه جميع التونسيين حالة انسداد سياسي متمثلة في الصراع بين الرئاسات الثلاثة ” رئاسة الجمهورية ” قيس سعيد ” رئاسة البرلمان ” الغنوشي الإخواني، ورئاسة الحكومة هشام المشيشي .

خلفت هذه الأزمة السياسية التي يحتمي كل طرف فيها بالدستور التونسي كثيرا من أزمات اقتصادية واجتماعية، جعلت البطالة تصل إلى ما يزيد عن 15 % و، ونسبة العجز في الموازنة يصل إلى أكثر من 3%، ونسبة الديون 74 % من إجمالي الدخل

كل هذا جعل الشارع التونسي مشتعلا بعد حالة فقد الثقة التي تكرست بين الشعب وبين طبقته السياسية .

أزمة صراع السلطات الثلاثة هي تطبيق فعلي للنظام السياسي الذي أقره الدستور التونسي بعد ثورته في 2011 وهو نظام برلماني تكون صلاحيات الرئيس فيه محدودة، قد تكون قاصرة على السياسة الخارجية والدفاع فقط، فيما ينفرد رئيس الوزراء بكامل الصلاحيات مما جعل منه ندا للرئيس وهكذا رئيس البرلمان.

ولأن كل رئيس يمثل سلطة من السلطات الثلاثة تمسك بصلاحياته الدستورية، حتى لو كان ذلك على حساب انفراجة المسار السياسي برمته ومصلحة المواطنين .

هذا سمح أيضا بزيادة فكرة التحالفات السياسية المبنية على المصحة الحزبية وليست المصلحة الشعبية والعامة .

ورأينا ذلك في الأزمة الحالية بين ” الرئيس قيس سعيد” ورئيس الحكومة “المشيشي” الذي دخل في تحالفات مع الغنوشي رئيس البرلمان ليضمن بقاءه في السلطة .

قبلها تابعنا كيف انقلب يوسف الشاهد رئيس الحكومة على الرئيس الباجي قائد السبسي أيضا .

أضف إلى ذلك الخطأ الذي أثبتت التجربة عمقه في منهج وأسلوب التعامل مع الإخوان المسلمين وهو أسلوب الاستيعاب والسماح بممارسة السياسة واتباع منهج الحوار.

لعل الذي جعل السياسيين “التوانسة” يعتقدون واهمين صدق هذا المنهج ما حدث في أكتوبر 2015 حين منحت جائزة نوبل للسلام لرباعية الحوار الوطني التونسي وهم ” الاتحاد العام للشغل ” – الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة – الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان – الهيئة الوطنية للمحامين “.

وقتها خرج المجتمع الغربي كله ومن قبله أمريكا يحتفلون بالنموذج التونسي وقالت منسقة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي حينها ” فيردريكا موجريني “، أن الحوار ناجح في حل الأزمات “.

وتأكد للجميع أن منح جائزة نوبل للسلام لرباعية الحوار التونسي هي مكايدة غربية للنموذج المصري، وهنا نشير إلى زيارة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي إلى مصر في أكتوبر 2015 نفس شهر منح جائزة نوبل .

ولماذا لم تستقبل بنفس الحفاوة الشعبية التي استقبلت بها زيارة ” الرئيس قيس سعيد ” فهم وقتها أن زيارة الراحل الباجي قائد السبسي” هي زيارة تباهي بنجاح النموذج التونسي في التعامل مع تيار الإسلام السياسي عكس النموذج المصري الذي اتبع أسلوب البتر .

بعد ستة أعوام من الحوار الوطني التونسي ومنح جائزة نوبل للسلام، لم تخرج تونس من نفق مظلم إلا وتدخل في نفق آخر، والسبب هو إخوان تونس ووجود الغنوشي كرئيس سلطة مهمة في البلاد وهي السلطة البرلمانية، فلم يستمر رئيس حكومة لا يريده و ولعل “إلياس الفخفاخ” نموذجا لذلك حين خاضت النهضة المعركة حتى استقال .

وأزمة المشيشي الحالية وهو الذي أدرك أهمية التحالفات فدخل في توافقات مع النهضة باعتبارها صاحبة المقاعد الأكثر في البرلمان، وشكل هو كرئيس حكومة مع الغنوشي كرئيس برلمان عقبة في مواجهة قيس سعيد رئيس الجمهورية .

إخوان تونس كادو أن يأخذوا تونس إلى الحضن التركي عبر محاولتهم تمرير الاتفاقية التركية والاتفاقية القطرية لولا وعي النواب والشعب.

ولعل زيارات الغنوشي لأردوغان وزيارة أردوغان لتونس تطرح تساؤلات مقلقة على تلك العلاقة .

كل هذه المسارات أكدت بعد ستة أعوام من التجربة أن الحوار كمنهج رائع وصحي ولكن ليس مع تيار الإسلام السياسي خصوصا الإخوان .

وأن أدبيات الإخوان تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية وحدودها إلى ما هو إقليمي وتنظيمي .

لذا جاءت الحفاوة والدلالة من زيارة قيس سعيد إلى مصر وهي زيارة الاعتراف بصحة ونجاح نموذج مصر في مواجهة نموذج تونس .

وأن منهج البتر السياسي مع الإخوان هو النموذج الأصح لأن وجودهم يتنافى تماما مع وجود الدولة الوطنية .

العين الإخبارية

زر الذهاب إلى الأعلى