مقالات

خيارات روسيا التفاوضية ليست صفرية

د. طارق فهمي

 

 

 

 

ستنتقل الأزمة الروسية-الأوكرانية إلى المرحلة “ب” من المواجهات، إذ سيذهب الجانب الروسي إلى التفاوض السياسي.

وهو ليس تفاوضا مع الجانب الأوكراني فقط، بل سيمتد إلى دول حلف الناتو والولايات المتحدة، وذلك لجملة اعتبارات متعلقة بتأمين مصالح روسيا الكبرى في منطقة الفضاء الاستراتيجي الروسي، ما سيغلق الباب أمام أي تهديدات يمكن أن تجري في المدى الطويل، فما جرى مع جورجيا ومع شبه جزيرة القرم سيتكرر مع الحالة الأوكرانية.

سيظل هدف روسيا منع أي امتدادات للحلف، بما لا يمثل خطرا عليها، والمسألة ستتجاوز فعليا حدوث أي مخاطر على مصالح روسيا من أي دولة جوار، إذ ستحرص روسيا على بناء منظومة حسابات وتقييمات لا يمكن تجاوزها من كل الأطراف.

فمع أوكرانيا سيكون التفاوض على تحييد قدراتها، ليس فقط استهداف المنشآت النووية منعا لاحتمال أي توظيف لاحق، لكن سيكون هناك حسمٌ لبعض الأمور المعلقة بصرف النظر عما تقوم به الإدارة الأمريكية في دعم أوكرانيا عسكريا، وإقرار مخصصات تم تمريرها مؤخرا في الكونجرس ومجلس الشيوخ.

تجري مسارات التفاوض الراهن وفق جدول أعمال مفتوح وشامل لمختلف الإشكاليات التي ستعلن عن نفسها، وهو ما يجب الانتباه إليه، إذ إن التفاوض سيمضي في مسار، والعمل العسكري وتأمين الأهداف الروسية لحين إتمامها سيعمل في مسار آخر، وهو ما يجب التركيز عليه في مراحل تالية، خاصة أن روسيا لن تتنازل عما تخطط إليه، وتسعى للوصول إليه في المَدَيين المتوسط وطويل الأجل.

سيبقى هدف روسيا هو التحرك في مسارات أشمل واتجاهات عدة، مع توظيف العمل العسكري لحسابات تفاوضية، وعدم الاستمرار فيه طويلا، خاصة مع تكلفته الكبيرة، فيما ستسعى الدول الغربية لنقل رسالة إلى روسيا بأن أوكرانيا لا تزال تحتل أولوية هامة لديها وتحظى بدعم غربي، رغم التباطؤ الذي جرى خلال الأشهر الأخيرة قبل اندلاع الأزمة في التجاوب مع طلب إدخال أوكرانيا حلف الناتو، خاصة أن دول الحلف لم تعد تحظى بأي مصداقية حقيقية في التعامل السياسي أو الاستراتيجي، الأمر الذي يفتح الباب أمام انقسامات حقيقية داخل الحلف، أو احتمال أن تتغير مهامه وأولوياته، في ظل التعامل مع المخاطر التصعيدية والمتوقعة، التي لن تقتصر على دول شرق أوروبا، بل على دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا.. فالقضية ليست في عقد قمة استثنائية للناتو وحضور الرئيس الأمريكي جو بايدن، وإنما في تعامل الحلف مع المخاطر المحتملة وآلية التعامل معها مسبقا.

لقد تسببت العملية العسكرية الروسية في هزة كبيرة للأوساط الدولية، كما نقلت رسالة للولايات المتحدة بأن روسيا ستتبنى خيار التصعيد حفاظا على أمها القومي، وأن منظومة العقوبات الأمريكية والغربية -برغم شموليتها- فإنها غير كافية.

الجانب الأمريكي لديه مخاوفه من التفاوض مع روسيا على جُملة ملفات، أخطرها اتفاقية “ستارت 2” وباقي اتفاقيات التسليح، وبعضها يمس الأمن الأوروبي، وهو ما قد يؤدي إلى تداعيات مكلفة على الجميع، إذ تدرك دول الناتو أن الدفاع عن الأمن الأوروبي سيبقى بالأساس أوروبيا رغم كل التصريحات الأمريكية، التي أطلقها “بايدن”، فالأمر متعلق بمستقبل الحلف وتماسكه، فمشكلات المواجهات العسكرية لن تكون مقتصرة على ملف المرتزقة وتحرك آلاف المقاتلين من الشرق الأوسط إلى داخل أوكرانيا، ومنها إلى دول أوروبية، وهو ما سيهدد الأمن القومي الأوروبي.

في كل الأحوال، فإن سيناريو التفاوض سيمضي في سياقه، وحال الانتقال إلى مرحلة تالية من المواجهات، فإن الأمر سيتجه إلى تفاوض جاد ومباشر حول أولويات ما ستطرحه روسيا بصرف النظر عن التقبل الأوكراني، خاصة أن روسيا ستصعد لقمة التفاوض، وهو ما سيمثل تعجيزا حقيقيا  للولايات المتحدة، التي لجأت إلى دعم الجانب الأوكراني لتوقعها الاستباقي بأن الأمر قد يطول، بصرف النظر عن أي تفاوض يمكن أن يجري في المدي القصير بالتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، وبدء تفاوض حقيقي حول الأولويات الأمنية والاستراتيجية والسياسية، وهو ما تتوقعه دول الناتو، التي تريد حسم الأمر، خاصة مع الأزمات التي قد تعلن عن نفسها مثل أزمة اللاجئين، وهي أكبر أزمة ستواجه دول شرق أوروبا تحديدا، وسيكون لها تداعيات عدة على الاستقرار الداخلي لبلدان أوروبا.

الإشكالية الحقيقية في أن أي تطور مفصلي، سواء في سلم التفاوض أو المواجهة، سيكون محكوما بمواقف دول رئيسة، وأخرى فرعية، إضافة إلى موقفَي طرفَي الصراع، ومن المؤكد أن دول حلف الناتو سيكون لها مواقفها الماسة بأمن دول الناتو بالكامل، وليس فقط أمن أوكرانيا، خاصة أن روسيا ستُغالي في مطالبها الأمنية بصرف النظر عما يجري في منظومة العقوبات، التي تم فرضها عليها وتسعى الدول الغربية لتوسيع نطاقاتها بهدف إيقاع ضرر أكبر بموسكو، وتطويق مسارات تحركاتها لتخفيف عبء العقوبات، وذلك عبر إجراءات للبنك المركزي الروسي، والتنسيق مع الجانب الصيني باتفاقيات لم تعلن بعدُ بين الجانبين، والهدف إفشال -إن لم يكن تخفيف- تداعيات العقوبات الغربية.

في الخلاصة، فإذا كان قرار العملية العسكرية صعبا بالنسبة لأي طرف، فإن التفاوض الحقيقي بين الأطراف المختلفة بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، سيكون أصعب، لأن الهدف الاستراتيجي الروسي سيكون تحقيق بنك أهداف وعدم تقديم أي تنازلات على أي مستوى.

 

العين الإخبارية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى