تقارير

تهاوي الليرة التركية يطلق شرارة الاحتجاجات ضد أردوغان

حامد فتحي

شهدت عدّة مدن تركية احتجاجات تطالب الحكومة بالاستقالة، إثر تهاوي سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار المتسارع؛ بانخفاضها إلى 12.8 ليرة مقابل الدولار، وانعكاس ذلك على زيادة نسبة التضخم، وارتفاع أسعار السلع الغذائية، وضعف القدرة الشرائية للأسر التركية، التي باتت عاجزة عن تلبية متطلباتها المعيشية.

وتعبّر الاحتجاجات عن غليان شعبي كبير، جعل مجموعات متفرقة تتحرك من النقد عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى الخروج للشارع، على الرغم من توقع ردّ فعل حكومي غاشم؛ وهو ما حدث حين تصدت الشرطة بعنف للمتظاهرين. وربما ينجح العنف في قمع الاحتجاجات، لكنّ طالما استمرت الأوضاع الاقتصادية في التردي، فستخرج مجموعات احتجاجية أكبر، ربما تؤدي إلى تغيرات كبيرة في المشهد السياسي، من بينها استجابة أردوغان لمطلب المعارضة بتنظيم انتخابات مبكرة.

 مظاهرات في تركيا

وشهدت عدة مدن تركية مظاهرات، في 23 تشرين الثاني (نوفمبر)، ومنها مدن أنقرة وإسطنبول وأزمير وسامسون وكوجايلي وإسكي شهير، احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية، ورفع المحتجون شعارات تطالب الحكومة بالاستقالة، وقرع بعضهم قدور الطهي بالملاعق للتعبير عن غلاء السلع الغذائية، وما وصل إليه الحال من تردي معيشي، باتت معه أسر كثيرة عاجزة عن تأمين احتياجاتها الأساسية.

وقبيل ذلك تصدر هاشتاج “#hükümetistifa“، الذي يعني بالعربية “استقالة الحكومة”، منصات التواصل الاجتماعي في تركيا، وسط حالة غضب متزايدة ضدّ حكومة حزب العدالة والتنمية والرئيس رجب طيب أردوغان.

وتأتي هذه الاحتجاجات على خلفية انخفاض قيمة العملة التركية؛ أمام الدولار، حيث وصلت إلى أدنى مستوى في عهد أردوغان مسجلة 12.8 ليرة مقابل الدولار، وسجلت مواقع إخبارية تدنيها إلى 13 دولار، وذلك بعد تخفيض سعر الفائدة على الليرة إلى 15% قبل عدّة أيام.

ويتوقّع خبراء اقتصاد أتراك أن تستمر الليرة في الهبوط، على الرغم من عودتها للارتفاع إلى سعر 12 ليرة مقابل الدولار في وقت لاحق، متأثرة بزيارة ولي عهد أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد إلى تركيا، يوم الأربعاء، 24 من الشهر الجاري، التي من المتوقع أنّ تشمل توقيع عدّة اتفاقيات اقتصادية إلى جانب بحث قضايا ثنائية وإقليمية ودولية.

وفرّقت قوات الشرطة التركية عدداً من المحتجين، واعتقلت 45 شخصاً وفق مصادر إعلامية تركية، ونشر بعضها صوراً تُظهر إصابة عدد من المتظاهرين نتيجة استخدام الشرطة للعنف في مواجهة الاحتجاجات.

 تردٍ اقتصادي

ووفقاً لتقرير وحدة البحث والتطوير التابعة لاتحاد الأعمال العام المتحد (Kamu-Ar) حول التضخم، لشهر تشرين الثاني (نوفمبر)، ارتفعت أسعار المواد الغذائية في تشرين الثاني (نوفمبر)، بنسبة 8٪ مقارنة بالشهر السابق، بينما كانت الزيادة في العام الماضي 51٪.

وشهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعاً بنسبة 51 %، مقارنةً بشهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، في ظلّ معدل تضخم نقدي يلامس 20%.

الشرطة التركية تتصدى لمتظاهرين

وكانت الزيادة في منتجات مثل: الخبز واللحوم والأسماك والحليب، ومنتجات الألبان والزيوت والبقول والخضروات، هي العامل المحدد في زيادة أسعار المواد الغذائية، كما ارتفعت أسعار الخبز والطحين والبرغل والمعكرونة بنسبة 9.4%، في تشرين الثاني (نوفمبر)، مقارنةً بالشهر السابق، وكذلك ارتفعت أسعار اللحوم ومجموعات الأسماك بنسبة 12.6% مقارنةً بالشهر السابق، بينما ارتفعت أسعار الحليب ومنتجات الألبان ومجموعة البيض بنسبة 8.7%، وارتفعت أسعار الزيوت بنسبة 8.1%، على أساس شهري، وفق ما نشره موقع “زمان” التركي.

وبحسب التقرير، انخفضت أسعار الفاكهة بنسبة 0.3% في تشرين الثاني (نوفمبر)، وارتفعت أسعار الخضروات، مثل الطماطم والكوسا والباذنجان، بنسبة 3.7% شهرياً، ومن ناحية أخرى ارتفعت أسعار الأطعمة المصنعة الأخرى بنسبة 7.3% بسبب ارتفاع أسعار منتجات مثل السكر والشاي والعسل.

فضلاً عن ذلك، جاء قرار الحكومة بفرض زيادة جديدة على أسعار المواد النفطية السائلة، تأثراً بانخفاض سعر صرف الليرة، ليزيد من الأعباء المعيشية على المواطنين، خصوصاً في ظلّ ارتفاع الطلب على الوقود من أجل التدفئة، ما جعل المواطنين يلجأون إلى استهلاك الفحم، ما أثّر في أسعاره بشكل كبير.

غضب سياسي

وشنّ عدد من قادة الأحزاب السياسية المعارضة هجوماً شديداً على أردوغان، وطالبوه بالذهاب إلى الانتخابات المبكرة، وقال رئيس لجنة السياسات الاقتصادية بحزب المستقبل في تركيا، كريم روتا: إنّ “التراجع الحاد في قيمة الليرة هو الأكبر منذ حقبة تانسو تشيلر”.

مدير مركز شرق المتوسط للدراسات السياسية والإستراتيجية، محمد حامد

وكتب في تغريدة على “تويتر”: “الليرة سجلت ثاني أكبر تراجع على الصعيد الشهري منذ عام 1981، وكان أول تراجع، في نيسان (أبريل) عام 1994، والثاني يحدث الآن قبل انقضاء الشهر، وثالث أكبر تراجع حدث في شباط (فبراير) 2001، وكان الدولار حينذاك يبلغ 12.75 ليرة، وفي حال سجل الدولار 14.25 ليرة بالوقت الحالي، فسيصبح أكبر تراجع في قيمة الليرة”، وفق ترجمة موقع “زمان” التركي.

ومن جانبه، قال الزعيم الكردي المعتقل، صلاح الدين دميرطاش؛ إنّ “نظام الرئيس رجب طيب أردوغان انحلّ وتفكّك وانتهى”، وذكر أنّه يعتقد أنّ المعارضة ستجد أرضية قوية للتعاون خلال فترة الانتخابات، وكان رئيس حزب الشعب الجمهوري، دعا أردوغان إلى الاستقالة.

وردّ أردوغان على تردّي الأحوال الاقتصادية، باتّهام التجار بالاستغلال، ووصف سياساته النقدية بأنّها معركة استقلال اقتصادي، وقال: “نشعر بالسعادة من خفض سعر الفائدة، وسننقضّ على الاستغلاليين الذين يفرضون زيادة جنونية في الأسعار بحجة ارتفاع مؤشر أسعار العملات الأجنبية أمام الليرة”.

وفي السياق ذاته، أدلى عدد من قيادات حزب العدالة والتنمية بتصريحات وصفها متابعون بـ “المستفزة” لمشاعر الشعب التركي، ومنها: دعوة البرلماني عن الحزب، زولفو دميرباغ، للشعب، بتخفيض الاستهلاك الشهري من اللحوم والخضروات إلى الربع، بعد دعوته إلى شراء الطماطم والفلفل بالحبة بدلاً من الكيلو غرام.

وتعليقاً على ذلك، قال مدير مركز شرق المتوسط للدراسات السياسية والإستراتيجية، محمد حامد: “المظاهرات كانت عفوية، وبمثابة جرس إنذار للحكومة، والناس خرجت إلى الشوارع غير عابئة بأزمة كورونا، ودون التزام بإجراءات التباعد الاجتماعي، على الرغم من تفشي الجائحة في تركيا، وهو ما يكشف عن ارتفاع مستويات الغضب الشعبي ضدّ الحكومة، التي أدّت سياساتها المالية إلى عدم قدرتهم على شراء المنتجات الأساسية، ودفعت التجار إلى تحديد كميات البيع بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار، وتذبذبها”.

وأضاف الباحث المصري لـ “العربي ستريت”: “تعدّ هذه المظاهرات باكورة مظاهرات أكبر قادمة إذا ما استمر التدهور الاقتصادي، وهي تُذكر بمظاهرات جيزي بارك التي بدأت احتجاجاً على قطع الأشجار، وتوسعت للتعبير عن رفض سياسات الحكومة، وهذه المرة هناك أسباب أقوى لاندلاع الاحتجاجات؛ وهي الظروف المعيشية المتردية وغلاء الأسعار وانخفاض العملة، دون وجود سياسات حكومية حقيقية لإنقاذ الوضع، بل يتبارى المسؤولون في التصريحات الاستفزازية التي تكشف عن تجاهل واضح لمعاناة الناس”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى