تقارير

بعد استهداف مطار أربيل: هل ترغم طهران واشنطن على تقديم تنازلات؟

كريم شفيق

يكشف الهجوم الذي استهدف مطار أربيل الدولي، قبل أيام، عن فصل جديد من المواجهات الميدانية المحتدمة، وأعمال العنف المتصاعدة، في منطقة شمال العراق، وتحديداً في عاصمة إقليم كردستان العراق، أربيل، والتي يتواجد بها أكبر قاعدة عسكرية لقوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، في قاعدة الحرير المتاخمة للمطار؛ إذ إنّ الحادث الأخير يأتي بعد هجوم مماثل، في شباط (فبراير) الماضي، وقد تسبب في مقتل اثنين، من بينهم جندي أمريكي، ومتعاقد مدني أجنبي يعمل مع قوات التحالف، فضلاً عن جرح خمسة آخرين.

رسائل طهران إلى واشنطن

جاء الاستهداف الأول لمطار أربيل بالتزامن مع زيارة بابا الفاتيكان للعراق، وقد أعلنت تبنيها للحادث “سرايا أولياء الدم”، إحدى الميليشيات الطائفية التي تشكلت في أعقاب مقتل القياديين في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس. ووقعّ الهجوم الأخير إثر الهجوم على منشأة نطنز النووية الإيرانية، الواقعة في صحراء أصفهان، وذلك قبيل انعقاد الجولة الثانية من محادثات فيينا التي تهدف إلى إحياء الاتفاق النووي؛ وهو ما جعل مراقبين يعتقدون أنّ ثمة علاقة بين الحادثتين وإيران أو بالأحرى التنظيمات الولائية المدعومة منها في بغداد؛ حيث يكشف السياق والتوقيت، في كل منهما، عن دلالات عديدة في ما يتصل بالأهداف والمصالح التي تقف وراء تعبئة مناطق بعينها.

استهداف مطار أربيل-أرشيفية

لم يسفر الهجوم الأخير عن أيّ خسائر، كما أوضحت وزارة داخلية إقليم كردستان بالعراق، والتي قالت إنّ “طائرة مسيرة مفخخة كانت تحمل مادة (تي.إن.تي) شديدة الانفجار استهدفت مركزاً لقوات التحالف الدولي، في مطار أربيل، بينما لم يوقع الانفجار أيّ خسائر في الأرواح، لكنه ألحق أضراراً مادية بأحد المباني، ولم يتم تحديد مصدر ومكان انطلاق الطائرة المسيرة”.

بغداد تصطف مع أربيل ضد “الأعمال الإجرامية”

وبحسب البيان المشترك الصادر عن وزارة الداخلية العراقية ووزارة الداخلية في إقليم كردستان، فإنّ “الاعتداءات الخطيرة التي حصلت، مؤخراً، ضد أربيل ومناطق أخرى، تقع ضمن الاعتداءات الإرهابية المنظمة التي تستهدف أمن العراق ومن ضمنه أمن إقليم كردستان وزعزعة السلم الاجتماعي ومحاولة زرع الفتنة وخلط الأوراق”.

وتابع: “في الوقت الذي ندين هذه الأعمال الإجرامية، نؤكد أنّ هذه الاعتداءات تأتي في محاولة يائسة لضرب التطورات الإيجابية التي حصلت في العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، خصوصاً على صعيد التنسيق الأمني عالي المستوى”.

ولفت البيان إلى أنّ “هذا التنسيق والتعاون والتكامل المتصاعد بين المركز والإقليم، سوف يستمر لضمان أمن وسلامة المواطنين والتصدي لمحاولات زعزعة الأمن”، وقد شدد على أنّ “ضمان أمن العراق أمام مثل هذه الاعتداءات، تقع مسؤوليته على الحكومة الاتحادية والمؤسسات الرسمية الممثلة لها، ومن ضمن ذلك القوى الأمنية في إقليم كردستان العراق”.

كما دان الرئيس العراقي برهم صالح تكرار استهداف منشآت في أربيل، وقبلها في بغداد وعدة مناطق أخرى، وغرد على حسابه الرسمي في موقع الواصل الاجتماعي “تويتر”: “تكرار استهداف منشآت في أربيل، وقبلها في بغداد ومناطق اخرى، جرائم إرهابية مدانة، تستهدف أمن المواطن، وتعيق المساعي الوطنية القائمة لحماية استقرار البلد وسيادته”.

وإلى ذلك، قال اللواء يحيى رسول، الناطق العسكري بلسان رئيس الحكومة العراقية، مصطفى الكاظمي، إن الأخير “وجّه بفتح تحقيق فوري في الاعتداءات التي حدثت في أربيل ومناطق أخرى”، واعتبر الحادث “نوع من الأعمال الإرهابية هدفها زعزعة الأمن”.

مخاطر زعزعة الاستقرار في كردستان العراق

ومن جانبه، يشير الصحفي السوري الكردي، جوان سوز، إلى أنّ استهداف مطار أربيل الدولي لم يكن أمراً مباغتاً إنّما كان من الأمور المتوقعة، خصوصاً أنّ التنظيمات المدعومة من إيران، خلال الفترة الأخيرة، قامت باستهداف عدة مناطق داخل إقليم كردستان.

 

الصحفي السوري الكردي جوان سوز

ويضيف لـ”العربي ستريت”: “الهجوم على المطار، بوجه خاص، تزامن مع مفاوضات فيينا، وبالتالي، فالأوامر، تلك المرة، بخصوص تنفيذ الهجوم على الموقع المهم والحيوي والقريب من قوات التحالف في أربيل، قد صدرت من طهران وليس من التنظيمات التابعة للحرس الثوري ببغداد، وذلك للضغط على حلفاء واشنطن في المنطقة، عبر المجموعات المسلحة”.

وبحسب سوز فإنّ تلك “التصرفات الميليشياوية”، التي تسعى إلى ممارسة الضغط على حكومة الإقليم، باعتبارها حليفاً قوياً للولايات المتحدة من أجل حصول طهران على مكاسب خلال مفاوضاتها في فيينا، لا يبدو أنّها تحقق أغراضها أو نتائجها بالرغم من تصاعدها واستمراريتها في أوقات متتابعة.

ويعتقد سوز أنّ تلك الهجمات سواء ضد الأهداف العسكرية لقوات التحالف، أو مواقع كردية، “لن تجبر الولايات المتحدة على تقديم أيّ تنازلات لطهران، برغم استهدافها المزيد من الأهداف، وهو الأمر الذي يحدث، مراراً وتكراراً، دون خلق أفق جديد، وتبدو ورقة ضعيفة ومؤقتة، وإن كانت سوف تؤدي لزعزعة الاستقرار، فقط، على المدى البعيد بالإقليم، لاسيما وأنّ الهجوم الأخير لم يسفر عنه وقوع ضحايا”.

مهمة بايدن الصعبة

يتفق والرأي ذاته، الباحث بمعهد واشنطن، مايكل نايتس، والذي يؤكد أنّ استهداف الميليشيات المدعومة من إيران لقوات التحالف، ومطار أربيل، يحتاج إلى مقاربة جديدة ومختلفة من إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، لمنع حدوثها، مرة أخرى؛ وهي المهمة التي وصفها بـ”الصعبة”، حيث قال: “إنّ الميليشيات المدعومة من إيران اتخذت خطوة غير مسبوقة بقصف مدينة أربيل وقاعدة أمريكية بالصواريخ في كردستان العراق”.

وتابع نايتس: “يجب أن تكون الأولوية الثانية للإدارة الأمريكية هي الإشارة إلى أنّ الولايات المتحدة تحمّل إيران مسؤولية غير مباشرة عن حوادث مثل الهجوم الصاروخي على أربيل. ومن الضروري أن تحمّل واشنطن طهران المسؤولية بشكل خاص، سواء كان “الحرس الثوري الإسلامي” هو من أمر بتنفيذ الهجمات على أربيل، أو وضع الخطة وترك الأمر لـ”عصائب أهل الحق” لكي تقرر التوقيت، أو أنّه قادر على نحو غير مضبوط على كبح هجمات تنفذها جماعات مثل “عصائب أهل الحق”. والمغزى أنّ إيران قادرة على كبح هذه الجماعات. وعلى إدارة بايدن الإشارة سراً إلى أنّ تخفيف العقوبات والمفاوضات مرهون بوقف أيّ اعتداءات جديدة من قبل الميليشيات المدعومة من إيران، ولا سيما هجمات الطائرات بدون طيار على الرياض من قبل “كتائب حزب الله”، والقصف الصاروخي للمدن الكبرى من قبل “عصائب أهل الحق”، ومساعي الحوثيين لقتل كافة أفراد الحكومة اليمنية والاستحواذ على مركز الطاقة الرئيسي في اليمن. ويمكن لإيران وعليها كبح جماح هذه الميليشيات، التي سلحتها وطورتها، كشرط ضروري قبل استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة بحسن نية”.

زر الذهاب إلى الأعلى