تقارير

الميليشيات ومرتزقة تركيا وتقويض الحلم الليبي

حامد فتحي

اعتراضاً منهم على تعيين شخص عسكري على رأس جهاز المخابرات، وتصريحات وزيرة الخارجية بضرورة خروج المرتزقة الأجانب، اقتحمت مجموعات ميليشياوية فندقاً يقيم فيه أعضاء المجلس الرئاسي في العاصمة الليبية طرابلس، في خطوة كشفت استحالة عقد انتخابات نزيهة والقبول بنتائجها، طالما ظلّ بضعة آلاف يسيطرون على الدولة الليبية في الغرب.

ويشدّ من عضدهم استمرار الوجود العسكري التركي بالمرتزقة والقواعد العسكرية، الذي يحرّكهم من أجل حماية الوجود العسكري التركي للأبد، نظراً للعلاقة العضوية بين الطرفين، فطالما بقيت تركيا ستبقى الميليشيات، وستبقى مؤسسات الدولة أسيرة لها، وستبقى الأزمة الليبية تراوح مكانها مهما عُقد من لقاءات دولية ونُصبت سلطات جديدة.

صورة لهجوم الميليشيات الليبية على فندق كورينثيا

انفلات ميليشياوي

صبيحة الثامن من الشهر الجاري هاجمت مجموعة ميليشياوية منضوية تحت تحالف “بركان الغضب” الذي يضم معظم ميليشيات المنطقة الغربية، بما فيها مصراتة وطرابلس والزاوية، فندق “كورينثيا”، في العاصمة طرابلس، أحد المقرّات التي يعقد فيها المجلس الرئاسي اجتماعاته، ويقيم فيه بعض أفراده.

وتناقلت وسائل إعلام ليبية أنباء متضاربة عن وجود رئيس المجلس، محمد المنفي، وقت الاقتحام وتهريبه من قبل حراسته الخاصة من باب خلفي للفندق، وحاصرت الميليشيات مدير مكتب المجلس، محمد المبروك مسعود، الذي نفى لاحقاً تعرّضه للاعتداء، وقال في بيان أنّ كلّ ما حدث هو قدوم مجموعة عسكرية من قادة المحاور لمقابلة رئيس المجلس محمد المنفي، وكانوا غير مسلحين، مضيفاً أنّهم كانوا يعترضون على قرار أو برنامج معين، وجاؤوا من أجل النقاش مع رئيس المجلس الذي لم يكن موجوداً في المكتب.

ونفت كذلك الناطقة باسم المجلس، نجوى وهيبة، تعرّض أحد للاعتداء، لكن رغم ذلك تدحض الفيديوهات والصور تبريرات وهيبة ومسعود، وربما تأتي تصريحاتهما كمحاولة للتهدئة وعدم الصدام مع الميليشيات التي تهدّد السلطة الجديدة بشكل دائم.

مدير مكتب الرئاسي، الثالث من اليسار برفقة الميليشيات

وقبيل ساعات من اقتحام الفندق، عقد قادة  محاور طرابلس اجتماعاً مغلقاً، بعد انتهاء الاجتماع الأول الموسع مع كافة القادة بالعاصمة طرابلس، وذكر مصدر لـ “أخبار ليبيا 24” أنّ الاجتماع تناول قرار تكليف حسين العائب المكلف بالمخابرات العامة، واستمرار تكليف الحداد رئيساً للأركان العامة وعدم إقالته، وكذلك استمرار عمل غرفة العمليات المشتركة للمنطقة الغربية.

وبعد الاجتماع بساعات، هاجمت الميليشيات الفندق للمطالبة بإقالة رئيس المخابرات الجديد، والوزيرة نجلاء المنقوش، والحفاظ على وضع الميليشيات، وعدم الحديث عن خروج المرتزقة الأتراك.

وكانت وزيرة الخارجية، نجلاء المنقوش، قد طالبت في أكثر من مناسبة بخروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة من البلاد، وأكدت على ذلك خلال لقائها نظيرها التركي، جاويش أوغلو في طرابلس، وهو ما أثار حنق الميليشيات وتركيا، ودعا مفتي الإخوان المسلمين، المقيم في تركيا، الصادق الغرياني، ميليشيات بركان الغضب إلى طرد الوزيرة من طرابلس، ووصفها بأنّها “تنكّرت فيها لجميل تركيا وفضلها على ليبيا”.

وجاء قرار المجلس الرئاسي بتعيين حسين محمد خليفة العائب، رئيساً لجهاز المخابرات العامة،  ليكون القشة التي قصمت ظهر بعير الميليشيات، نظراً لتمرس العائب كضابط نظامي في وظيفة المخابرات، وكونه غير خاضع لهم، رغم عدم تطرّق الرئاسي إلى الميليشياوي عماد الطرابلسي، أحد قادة ميليشيات الزنتان، الذي عيّنه السراج نائباً لرئيس جهاز المخابرات العامة، لكنّ الميليشيات ترفض تعيين قادة نظاميين على رأس المؤسسات الأمنية، منعاً لعزل قادتهم الذين يترأسون وظائف مهمّة، منذ عهد حكومة الوفاق السابقة.

تحريض تركي

ويرى المحامي الليبي والخبير في القانون الدولي، محمد صالح جبريل اللافي، أنّ الضوء الأخضر لهجوم الميليشيات جاء من المفتي الإخواني، المقيم في تركيا الصادق الغرياني، دفاعاً عن مصالح تركيا، ولتهديد السلطة الانتقالية لمنعها من المطالبة بخروج القوات التركية والمرتزقة، وهو الأمر الذي كشف عن استحالة استمرار عمل الرئاسي والحكومة من داخل مدينة تحكمها الميليشيات.

المحامي الليبي والخبير في القانون الدولي، محمد صالح جبريل اللافي

وطالب اللافي، في حديثه لـ “العربي ستريت”، الحكومة بأن تنقل مقرّاتها إلى مدينة سرت المحايدة، حتى تستطيع تنفيذ مهمتها الأساسية، وهي تهيئة البلاد للوصول للانتخابات الرئاسية والعامة في نهاية العام الجاري، كما أنّ خروجها سيكون بمثابة رسالة للعالم بعدم شرعية الميليشيات وضرورة تفكيكها.

وأوضح اللافي؛ أنّ ما طالبت به وزيرة الخارجية لم يكن سوى ما نصّ عليه الاتفاق السياسي، والقرارات المحلية والدولية، والحسّ الأخلاقي والوطني لدى المواطن الليبي، لكنّ هذا ما تفتقده الميليشيات التي لا تعدو كونها ذراعاً لتركيا، التي لا ترغب في ليبيا موحدة، وسلطة منتخبة ستراجع وجودها العسكري والاتفاقيات الموقعة معها، وهو ما يهدّد نفوذها في البلاد.

واتّهم عضو مجلس النواب الليبي، سعيد امغيب، وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بتحريض الميليشيات للسيطرة على المجلس الرئاسي أو نسف اتفاق جنيف ليستمر وجودهم.

 عرقلة الانتخابات

وفي السادس من الشهر الجاري، دعا بيان صادر عن سفارات دول؛ الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا، السلطات الليبية إلى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في موعدها المقرّر، في 24 كانون الأول (ديسمبر)، لإخراج البلاد من الفوضى الغارقة فيها منذ عشر سنوات، وفي اليوم التالي أعلن السفير الأمريكي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند، تأييده التامّ لدعوة وزيرة الخارجية بشأن خروج القوات الأجنبية من البلاد من أجل الحفاظ على سيادتها.

السفير الأمريكي لدى ليبيا، ريتشارد نورلاند

وجاء البيان الخماسي في وقت لم تتخذ فيه السلطة الانتقالية خطوات ملموسة نحو الإعداد للانتخابات، وفي ظلّ عدم إحراز تقدم في المسارات الأخرى؛ العسكرية والقانونية والاقتصادية، وعدم مناقشة البرلمان للتعديلات الدستورية المطلوبة وعرضها للاستفتاء.

وفي تصريحه لموقع “فورميش” الإيطالي، ربط عضو البرلمان الليبي، زياد دغيم، بين اقتحام الميليشيات للفندق وبيان السفارات الخمس، وقال إنّ هناك مناورات دبلوماسية وراء ما يحدث، وإنّ “الاحتجاج الذي توّج بالاعتداء على المقرّ المؤقت للمجلس الرئاسي بطرابلس كان قبل كلّ شيء ردّ فعل قويّ للغاية على إعلان سفراء الدول الخمس، ضرورة إجراء انتخابات بحلول 24 كانون الأول (ديسمبر) 2021”.

ويزيد من تأزيم الوضع في البلاد انحياز رئيس الحكومة، عبد الحميد الدبيبة، إلى الميليشيات في الغرب الليبي، وافتعال أزمات متتالية مع الشرق والقيادة العامة للقوات المسلحة، فالرجل الذي كان يفترض به قيادة السلطة لتهيئة البلاد لعقد انتخابات يتقبّلها الشعب، بات غارقاً في عداوات وطموحات شخصية، ولم يستطع تمرير الموازنة العامة التي أُعدت بالمخالفة للدستور.

وفي سياق متصل، لم يتمكن مجلس النواب من تمرير تعيينات المناصب السيادية، رغم وجود اتفاق سابق مع وفد الإخوان المسلمين، بقيادة خالد المشري، في بوزنيقة في المغرب.

ويرى مراقبون، أنّ البلاد تحتاج إلى دعم دولي جاد لحلّ أزمة الانفلات الأمني، وتفكيك الميليشيات وإخراج المرتزقة الأجانب كخطوة أولى نحو استعادة وحدة البلاد، قبيل اللجوء إلى الانتخابات العامة، التي ستواجه السلطات التي تفرزها العقبات نفسها القائمة اليوم، من سيطرة للميليشيات على موارد الدولة والعاصمة وقطع للطرق.

ومن المفترض، بحسب الاتفاق السياسي في جنيف، الذي أنتج السلطة التنفيذية الانتقالية، أن تنظم الانتخابات العامّة، الرئاسية والنيابية، في 24 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، وكانت وثيقة الاتفاق نصّت على تدشين لجنة وطنية للمصالحة، وتطبيق بنود وقف إطلاق النار، بما فيها سحب المرتزقة والوجود العسكريّ الأجنبيّ من كافة البلاد.

زر الذهاب إلى الأعلى