تقارير

المغرب يهدد بمقاطعة إسبانيا إذا أعادت زعيم البوليساريو للجزائر

حامد فتحي

تزداد الأزمة السياسية بين المغرب وإسبانيا سخونةً منذ اندلاعها عقب الكشف عن استقبال الأخيرة لزعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، الذي يترأس الجمهورية العربية الصحراوية، غير المعترف بها من الأمم المتحدة، والتي تنازع المغرب على السيادة على الصحراء الغربية.

ورأى المغرب أنّ استقبال غالي يمسّ بسيادته، خصوصاً أنّ مدريد لم تقبل بالاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، كما أنّ الرباط تتّهم مدريد بتشويه علاقتها مع الاتحاد الأوروبي بسبب ملف الصحراء.

وتصاعدت الأزمة مع سماح المغرب للآلاف بالعبور إلى جيب سبتة الإسباني، وهو الأمر الذي وصفته إسبانيا بالابتزاز، ودخلت ألمانيا على خطّ الأزمة متّهمة المغرب بالابتزاز، ما تسبب في زيادة حدّة الأزمة.

جذور الأزمة

كانت وزارة الخارجية الإسبانية قد أعلنت أنّ الأمين العام لجبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، نُقل إلى إسبانيا لتلقي العلاج، وعلّلت ذلك “لأسباب إنسانية بحتة”، وذلك في 22 من نيسان (أبريل) الماضي، بعد أن نشرت مجلة “جون أفريك” خبراً عن وصوله بصحبة فريق من الأطباء الجزائريين  إلى سرقسطة على متن طائرة طبية استأجرتها الرئاسة الجزائرية، وبهوية مزورة.

وزير الخارجية المغربي ونظيرته الإسبانية

ودان المغرب استقبال غالي على لسان رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، الذي عدّه “فضيحة كبرى”، وأكّد وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في تصريحات لوكالات أنباء، أنّ الأزمة بين المغرب وإسبانيا بدأت عندما استقبلت إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو، في 17 نيسان (أبريل)، وصرّح للصحفيين: “إذا كانت هناك أزمة بين المغرب وإسبانيا، الكلّ يعلم لماذا، لأنّ إسبانيا تعهدت أن تعمل مع أعداء المغرب”، وأضاف: “إسبانيا استقبلت على أراضيها شخصاً يحارب المغرب يومياً”.

وجاءت تصريحات بوريطة عقب تدفق آلاف المغاربة إلى جيب سبتة، الخاضع للإدارة الإسبانية، شمال أفريقيا، ووصل عددهم إلى 8 آلاف شخص، أعادت إسبانيا 5600 فرد منهم إلى التراب المغربي.

وفي سياق الحادثة، التي تعدّ أكبر موجة لتدفق المهاجرين على الجيب الإسباني، قالت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغريتا روبلز، إنّ وحدة أراضي إسبانيا غير قابلة للتفاوض، ودعت المغرب إلى الامتثال للقانون الدولي.

واتهمت مدريد الرباط بتعمد السماح للمهاجرين بدخول أراضيها، لأنّ زعيم جبهة البوليساريو الانفصالية، إبراهيم غالي، يتلقى العلاج الطبي في إسبانيا.

واتهمت الوزيرة المغرب الخميس بـ “العدوان والابتزاز” وقالت مارغريتا روبلز، خلال مقابلة مع الإذاعة الإسبانية العامة: “هذا اعتداء على الحدود الإسبانية وحدود الاتحاد الأوروبي، وهذا غير مقبول في القانون الدولي”، وفق ما نقله موقع “دويتشه فيله” الألماني.

 مناورات الأسد الأفريقي

وألقت الأزمة بظلالها على العلاقات الثنائية بين البلدين، ودفعت إسبانيا إلى إلغاء مشاركتها في مناورات الأسد الأفريقي التي تنظمها القيادة الأمريكية لأفريقيا (أفريكوم)، بالتعاون مع المغرب، في الفترة من 7 إلى 18 حزيران (يونيو) الجاري.

جزء من مناورات الأسد الأفريقي في المغرب

وصرحت وزارة الدفاع الإسبانية برفضها الدعوة، وتذرعت بأسباب تتعلق بالميزانية، لكن مصادر حكومية أكدت لـصحيفة “إل باييس” الإسبانية أن السبب الأساسي هو أنّ جزءاً كبيراً من هذه التدريبات، التي دأبت إسبانيا على المشاركة فيها كلّ عام، سيقام للمرة الأولى على تراب الصحراء المغربية، التي رفضت مدريد القرار الأمريكي الذي اتخذه ترامب بالاعتراف بسيادة المغرب عليها.

وفيما يتعلق بغالي، نجحت الضغوط المغربية في إحراج إسبانيا بسبب التهم التي يواجهها غالي في جرائم تتعلق بالتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، وأعلن القضاء الإسباني عن الاستماع لغالي في إطار تحقيقين حول ارتكاب أعمال تعذيب وإبادة جماعية.

وسيتم الاستماع لغالي عبر تقنية الفيديو من المستشفى، حيث يعالج، وذلك في قضيتين؛ الأولى تقدّم بها فاضل بريكا، المنشق عن البوليساريو والحامل للجنسية الإسبانية، بتهمة التعذيب في مخيمات تندوف.

والثانية تقدمت بها الجمعية الصحراوية للدفاع عن حقوق الإنسان، ومقرها إسبانيا، بتهم ارتكاب إبادة جماعية، والقتل والإرهاب والتعذيب والإخفاء القسري، وفق الوثيقة التي توصل بها القضاء الإسباني، وفق ما نشره موقع “هسبريس” المغربي.

ولم يأمر القاضي بتنفيذ أيّ من الإجراءات المشددة ضدّ غالي، في انتظار الاستماع إليه، على غرار مصادرة أوراقه لتجنب مغادرة التراب الإسباني نحو الجزائر.

مستقبل الخلاف

وأثار اقتحام المهاجرين لجيب سبتة الإسباني غضب الاتحاد الأوروبي، الذي يرفض المساس بما يعتبره حدوداً لأعضائه، وقال وزير الدولة الألماني للشؤون الأوروبية، مايكل روث،  إنّ “الاتحاد الأوروبي يجب عليه ألا يسمح للمغرب بابتزازه”. وأضاف، في حوار مع صحيفة “إل باييس”: “الاتحاد الأوروبي يساعد بلدانا مثل المغرب على منح الشباب وجهة نظر وخلق فرص عمل، لكن لديّ انطباع بأنّ الشباب الذين ليست لديهم آفاق يصبحون ورقة مساومة سياسية للحكام، وهذا مثير للسخرية”.

الإعلامي الجزائري، وليد كبير

وحول مستقبل الأزمة، قال الإعلامي الجزائري، ورئيس الجمعية المغاربية للسلام والتعاون والتنمية بالمغرب، وليد كبير، إنّ التوتر في العلاقات المغربية الإسبانية وصل إلى مستوى غير مسبوق قد يفضي إلى قطع العلاقات بينهما بقرار من طرف المغرب، في حالة رجوع إبراهيم غالي إلى الجزائر، وهذا هو الاحتمال الأقرب خصوصاً، وأنّ وزيرة خارجية إسبانيا أكدت أنّ زعيم البوليساريو سيرجع إلى “بلده” ريثما انتهاء علاجه.

وأضاف كبير، لـ “العربي ستريت”: يبدو أنّ الوزيرة تجاوزت صلاحيتها كمسؤول أول عن الدبلوماسية الإسبانية، لأنّ رجوع إبراهيم غالي يجب أن يكون مرتبطاً بتقدير السلطة القضائية الإسبانية، وإلى جانب ذلك فقرار إسبانيا إلغاء حضورها مناورات الأسد الأفريقي يأتي كرسالة تكشف عمق الأزمة.

ومن المؤكد أن تطال تأثيرات الأزمة التعاون الثنائي في المجال الأمني ومكافحة الإرهاب، والذي تعدّ الرباط شريكاً أساسياً فيه للاتحاد الأوروبي، وتساعد أجهزتها الاستخبارية في الكشف عن النشاط الإرهابي الذي يهدّد أوروبا.

وأشار وليد كبير إلى أنّ التوتر بين إسبانيا والمغرب ليس وليد تواجد غالي فقط، بل بسبب عدم  تقبل الجارة الشمالية الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، ومحاولتها لدفع الإدارة الأمريكية للتراجع عن قرارها، وهذا ما أغضب الرباط.

وتوقّع رئيس الجمعية المغاربية للسلام والتعاون والتنمية، أن تطول الأزمة طالما بقيت الحكومة الإسبانية الحالية، التي فضلت استغلال التوتر الدائم في العلاقات بين الجزائر والمغرب من أجل الابتزاز على حساب مبادئ دولة ديمقراطية تؤمن باستقلالية القضاء.

واندلعت أزمة الصحراء الغربية بعد انسحاب دولة الاحتلال الإسبانية من المنطقة، عام 1975، وتنازعت المغرب وجبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر على المنطقة، ونشب صراع مسلح توقف عام 1991، وصدر قرار من مجلس الأمن باتفاق الطرفين على تسوية للقضية، تنصّ على إجراء استفتاء حول حقّ تقرير المصير.

وطرح المغرب خطة تسوية جديدة تقوم على منح المنطقة حكماً ذاتياً تحت السيادة المغربية، ولاقت الخطة قبولاً محدوداً في البداية، ومع مضي الوقت يزداد عدد الدول المرحبة بها،

وأعلن الرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترامب، اعتراف بلاده بسيادة المغرب على الصحراء، وافتتاح قنصلية في مدينة العيون، ووافقت إدارة بايدن، التي خلفت ترامب، على القرار.

وفي 14 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، أصدر زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، مرسوماً يقضي بإنهاء الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، الموقَّع عام 1991 مع المغرب، وهاجمت الجبهة معبر الكراكات، وتصدّت لها القوات المغربية بنجاح.

زر الذهاب إلى الأعلى