مقالات

المصالحة وانتهازيّة الإخوان… لن يفعلها السّيسي

عمرو فاروق

أطلقت جماعة “الإخوان المسلمين” وقواعدها التنظيمية على مدار السنوات الماضية، مجموعة من المبادرات التي تدعو الى المصالحة مع النظام السياسي المصري، مستغلة الظروف السياسية والتغييرات الإقليمية، لغسل سمعتها والتنصل من العنف والخروج من السجون، في إطار مقايضة سياسية من دون أن تدفع ثمن الدماء التي أراقتها من مؤسسات الدولة ورموزها السياسية والعسكرية.

في غضون الأيام الماضية، سرّب شباب الإخوان من داخل السجون المصرية مجموعة من الرسائل التي حملت نوعاً من الكربلائية والمظلومية التي اعتادوا عليها، مناشدين القيادة السياسية الإفراج عنهم، مقابل عقد صفقة سياسية تحت غطاء “المصالحة”، متجاهلين تصنيف الجماعة منظمة إرهابية وفقاً لأحكام القضاء المصري.

سبقت الرسائل الإخوانية المسربة تصريحات للقائم بأعمال مرشد الإخوان، إبراهيم منير، على قناة “الجزيرة” القطرية في آذار (مارس) 2021، فضلاً عن تصريحات لمفوض العلاقات الدولية السابق للجماعة يوسف ندا، في 14 أيلول (سبتمبر)، تدعو الى فتح حوار مع النظام المصري، الى جانب بيان لعدد من مشايخ الجماعة المحسوبين على التنظيم الدولي، يناشد بعض الأطراف الدولية التدخل كوسيط تفاوضي، لا سيما تركيا وقطر، في حالة شبيهة بالانتهازية السياسية ومحاولة للقفز على التقاربات الإقليمية والجيوسياسية.

توقيت طرح المصالحة الإخوانية له دلالة ضمنية في ملف العلاقات المصرية – الأميركية، إذ تمارس واشنطن ضغوطاً شديدة على القاهرة في ملف حقوق الإنسان في تلك المرحلة الشائكة، والتي يحاول اللوبي الإخواني في الولايات المتحدة استثمارها ضمن أوراق التفاوض السياسي، وخلق مساحة اجتماعية وشعبية لقيادات لجماعة تمكّنها من العودة الى المشهد في ما بعد.

تعاملت الأجهزة الأمنية المصرية بقدرة عالية وبالغة الدقة في القضاء على الجناح المسلح لجماعة الإخوان وغيره من مكوّنات الحركات الأصولية المسلحة، وفقاً لاستراتيجية تفكيك الأجنحة وتدمير البنية التنظيمية، والقضاء على الخلايا الكامنة، وتجفيف منابع التمويل والسلاح، في إطار خطة مكافحة الإرهاب العابر للحدود والقارات.

مختلف المبادرات الإخوانية التي خرجت من رحم السجون، قائمة على مبدأ المقايضة السياسية وليس مسار “المراجعة الفكرية” لأدبيات الجماعة، التي وضع أسسها حسن البنا وسيد قطب، وتُرجمت في دراسات عدة الى شرعنة للعنف واستخدام السلاح، عقب 30 حزيران (يونيو) 2013، مثل كتاب “فقة المقاومة الشعبية”، وكتاب “دليل السائر ومرشد الحائر”، وكتاب “كشف الشبهات”.

التوصيف الدقيق لعناصر الإخوان وقواعدهم داخل السجون المصرية، أنهم “سجناء جنائيون”، وليسوا “معتقلين سياسيين” كما يشيعون، فغالبيتهم متورطون في قضايا عنف مسلح، وصدرت في حقهم أحكام قضائية نهائية، وقبول مبادرتهم يطرح فكرة قبول أي مبادرة صادرة من أي سجين جنائي، معلناً توبته وعزمه على ألا يعود الى ممارسة جريمته السابقة، مقابل الإفراج عنه (بالمخالفة للأعراف القضائية والدستورية).

تتاجر جماعة الإخوان بورقة سجنائها وتستغلها في تشويه الدولة المصرية أمام دوائر صناع القرار الدولي، بخاصة المجتمع الأوروبي، والهروب من دائرة التصنيف على قوائم الإرهاب، وضمان تدفق التمويلات من كفلاء الإرهاب وأعوانهم، الى جانب كونها الأداة الفاعلة في التغطية على فشلها وسقوط فكرتها ومشروعها أمام أتباعها، وتصدير القضية على أن الجماعة مضطهدة على مدار تاريخها، وأن معركتها مع الأنظمة الحاكمة، معركة بين “الإسلام والكفر”، وأن ما لحق بقيادات وعناصر التنظيم هو ابتلاء إلهي، ومن ثم تصوغ كربلائية ومظلومية للتأثير في أتباعها، لضمان بقائها وتفادي تفككها تنظيمياً.

لم تدخل الدولة المصرية، في مصالحات سياسية مع التنظيمات المسلحة، لكنها دعمت ما يُعرف بـ”المراجعات الفكرية”، مثلما تم مع الجماعة الإسلامية وتنظيمات الجهاد المصري، التي أُقرّت بين عامي 2001، و2007، بهدف تحجيم موجات العنف التي اشتعلت في تسعينات القرن الماضي وما تلاها.

لا يمكن مقارنة مبادرات الإخوان، بمبادرات “الجماعة الإسلامية”، وتنظيم “الجهاد المصري”، إذ إن مبادرة “المراجعات الفكرية”، لم تكن مشروطة بـ”وقف العنف” مقابل “الإفراج”، بل تناولت الوقوف على الأفكار التكفيرية تجاه المجتمع والنظم السياسية الحاكمة.

موقف القيادة السياسية المصرية واضح حيال قضية “المصالحة”، مهما تبدلت التغييرات الإقليمية والدولية، ففي مقابلة مع قناة “فرانس 24” في تشرين الأول (أكتوبر) 2017، قال الرئيس السيسي، في رده على سؤال حول إمكان إجراء مصالحة مع “الإخوان”: “الإجابة عند الشعب المصري مش عندي أنا، الشعب المصري في حالة غضب شديد، ويجب على الآخرين وضع ذلك في الاعتبار”.

وفي حوار مطول نشرته جريدة “الشاهد” الكويتية، في منتصف تشرين الأول 2018، صرح الرئيس السيسي بأن جماعة الإخوان لن يكون لها دور في المشهد المصري خلال فترة وجوده في السلطة، وأن شعب مصر لن يقبل عودتها “لأن فكر الإخوان غير قابل للحياة ويتصادم معها”. وخلال فعاليات الندوة التثقيفية للقوات المسلحة الـ32 في تشرين الأول 2020، أكد أنه “لا تصالح مع من يريدون هدم مصر، ومع من يؤذي شعب مصر”.

يزعم قياديو الإخوان منذ اللحظة الأولى، أن معركتها مع النظام السياسي المصري، معركة دينية وليست سياسية، وأن إطاحة محمد مرسي وجماعته من سدة الحكم هي بمثابة افتئات على الله وشريعته، اعتقاداً منهم أنهم وكلاء الله في أرضه وفي خلقه، وأن وصولهم الى السلطة يمثل تطبيقاً للشريعة الإسلامية، وليس من قبيل التغلغل السياسي.

ثمة حقائق مهمة حول أكذوبة “المصالحة” التي ترغب فيها جماعة الإخوان للخلاص من تاريخها الدموي، وإعادة تقديم نفسها للرأي العام العربي والمصري ككيان سياسي سلمي، أهمها أنها ليست كياناً سياسياً، ولا تمثل المعارضة المصرية، كونها تنظيماً سرياً لديه قناعات وأدبيات قائمة على تكفير المجتمع وانتهاج العنف المسلح وشرعنته لمصلحة أهدافها، وتُرجم ذلك على أرض الواقع عقب ثورة 30 حزيران (يونيو) 2013 من خلال تنفيذ الكثير من العمليات المسلحة.

حالة الفشل المحيطة بالجماعة جعلتها في مقام الخضوع والرغبة في إيجاد طريقة تحقق من خلالها “المصالحة”، سعياً الى غسل سمعتها من جرائم العنف والقتل والدماء، ومن خطابها المنطوي على أدبيات التكفير والتطرف، تمهيداً لتأسيس مرحلة جديدة تدفع بها قواعدها عبر خطاب تعبوي قائم على فكرة مواصلة الطريق واستكمال المنهجية الفكرية والتنظيمية في إطار المشروع البناوي، وفقاً لما يعرف بـ”استراتيجية دار الأرقام”، ومحاولة انكفاء التنظيم على ذاته لإنتاج نماذج بشرية حاملة للفكر القطبي.

تحاول قيادات الإخوان تصدير صورة لأتباعها من دوائر الإسلام الحركي، أنها ما زالت موجودة في المشهد بقوة وقادرة على طرح نفسها على مائدة الحوار والتفاوض السياسي، كطرف فاعل مؤثر يمكنه فرض شروطه ومطالبه.

أصدرت القيادة السياسية العديد من قوائم العفو عن بعض العناصر التي لم تتورط في أعمال عنف مسلح، تأكيداً لاحترام الدولة المصرية حقوق الإنسان، ومراعاتها الظروف الإنسانية، في محاولة لتفكيك المشهد داخل السجون، بعيداً من فكرة “المصالحة”، ووقف تمديد حالة الاستقطاب الفكري، ومنع تحويل السجون بيئة خصبة لصناعة العقول المتشددة والمتطرفة.

اتجهت القيادة السياسية إلى تفكيك “مركزية الجماعة” عن طريق فصل القواعد عن رأس التنظيم، وتحويل قضية “المراجعات الفكرية” قراراً شخصياً ذاتياً وليس لتوجه تنظيمي يدخل في إطار التفاوض السياسي، بهدف خلخلة المستويات الفكرية والتنظيمية.

سبق قرارات العفو الرئاسي، الكثير من الإجراءات، أهمها الاعترافات التفصيلية عن مصادر التمويل، وخطوط ودوائر الاتصال والدعم المالي والتنظمي للجماعة، فضلاً عن المسارات الضامنة للمراجعات الذاتية، التي بدأت بورش فكرية، خلصت للكثير من النتائج حول سقوط مشاريع الإسلام السياسي والجماعات المسلحة، والإيمان بمشروع “الإسلام الإنساني”.

النهار

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى