تقارير

القضاء التركي في قبضة أردوغان: تحركات جديدة لاستهداف المعارضة

كريم شفيق

يواصل الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، التضييق على المعارضة وخصومه السياسيين، وذلك بالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات ضد سياساته المحلية، على وجه الخصوص؛ الأمر الذي نجم عنه توقيف عدد من قيادات وأعضاء أحزاب المعارضة، وتحديداً حزب الشعوب الديمقراطي، فضلاً عن تجريد النواب البرلمانيين من عضويتهم، وإسقاط الحصانة عنهم، بشكل متعسف، تمهيداً لاعتقالهم وحبسهم؛ إذ إنّ وزارة العدل التركية، قد قامت، مؤخراً، بتقديم مشروع جديد لرفع الحصانة عن قرابة 11 نائباً من حزب الشعوب الديمقراطي.

ومن بين أعضاء البرلمان التركي الذين تم إسقاط عضويتهم، عمر فاروق جيرجيرلي أوغلو، والذي تم اعتقاله بعدما وجهت له تهم تتعلق بقضايا “الإرهاب”؛ إذ قال حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد: “نائبنا فاروق جرجرلي أوغلو وضع في الحبس الاحتياطي”.

تهم “الإرهاب” تلاحق خصوم الرئيس التركي

كما أصدر القضاء التركي حكماً بسجن جيرجيرلي أوغلو لمدة عامين ونصف العام، على خلفية تورطه في “نشر دعاية إرهابية”، بسبب صلاته بحزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا، والمصنف على قوائم الإرهاب؛ حيث اعتبرت المحكمة في أنقرة أنّ النائب البرلماني الموقوف “يضفي الشرعية” على “حزب العمال الكردستاني” عبر ارتباطه بالمقاتلين في الحزب، بيد أنّ مراقبين أكدوا أن رفع الحصانة والإجراءات التعسفية ضد (جيرجيرلي أوغلو) هي جزء من حملة قمعية واسعة تقودها الحكومة التركية ضد حزب الشعوب الديمقراطي، والذي يتعرض قادته ونوابه لاعتقالات وانتهاكات حقوقية مستمرة.

جانب من تظاهرات مناهضة لأردوغان-أرشيفية

ووصف جيرجيرلي أوغلو ما حدث معه بأنّه “عار على تركيا”، وقال: “هذا عار على الحزب الحاكم. أنا أعاقب لأنني عارضت الظلم”، مضيفاً أن الشرطة “كانت تنتظر خارج باب منزله للقبض عليه”.
وإلى ذلك، دانت الخارجية الأمريكية، قيام الحكومة التركية برفع الحصانة عن النواب البرلمانيين، وتجريد الأعضاء من عضويتهم، خاصة المنتسبين للمعارضة؛ حيث قالت في بيان رسمي: “نتابع الأحداث في تركيا من ضمنها الخطوات المقلقة لإسقاط عضوية البرلماني عمر جيرجيرلي أوغلو”، وأردفت: “الإدارة الأمريكية تراقب الجهود الأولية لحل حزب الشعوب الديمقراطي وهو قرار سيقلل من شأن إدارة المصوتين الأتراك، ويقوض من الديمقراطية في تركيا، ويحرم ملايين المواطنين من الحصول على التمثيل من اختيارهم”.

مخاوف بايدن

وخلال زيارتها الأولى لتركيا، أوضحت نائبة وزير الخارجية الأمريكي، ويندي شيرمان، أنّ القضايا الحقوقية، والاهتمام بحقوق الإنسان في تركيا، تأتي على قمة أولويات الرئيس الأمريكي، جو بايدن، وذلك إلى جانب قضية الصواريخ الروسية، والأخيرة اعتبرتها “ذات بعد سياسي وليس فني”.

وقد أكدت نائبة وزير الخارجية الأمريكي على أنّ المخاوف بصدد تراجع الحريات في تركيا مستمرة، لافتة إلى أنّ بايدن “سيطرح هذه المسائل في اجتماعه مع الرئيس التركي على هامش قمة حلف الناتو، المزمع إحراؤها، في منتصف حزيران (يونيو) القادم”.
وقالت شيرمان: “سيثير الرئيس قلقه. وسيعبر عن مخاوفه بشأن حقوق الإنسان والديمقراطية وخاصة فيما يتعلق بالأسلوب الذي تتبعه تركيا. تركيا حليف استراتيجي وقوة ذات شهرة عالمية. نحن نعمل مع تركيا عن كثب وتركيا لضمان التزام الجميع بالقواعد العالمية”.
إذاً، لم يعد سراً على الجهات الأممية والمنظمات الحقوقية، ما يقوم به الرئيس التركي عبر حليفه المتشدد والراديكالي زعيم حزب الحركة القومية، دولت بهتشلي؛ إذ إنّ تحركات كل منهما تستهدف تقويض المؤسسات الديمقراطية في تركيا، بحسب الدكتور عبد السلام القصاص، الباحث المصري المتخصص في العلوم السياسية، الذي يرى بأنه “منذ لحظة الانقلاب الفاشل والمزعوم، في عام 2016، وتركيا تقع تحت وطأة قانون الطوارئ، والذي يتيح للحكومة تنفيذ مجموعة من السياسات والإجراءات الأمنية المتعسفة والغير قانونية”، لافتاً إلى أنّ “المؤسسات القانونية والتشريعية تخضع إلى سلطة الجهاز التنفيذي ومؤسسة الرئاسة، لا سيما بعدما نفذ أردوغان قراره بخصوص تحويل تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي”.

الدكتور عبد السلام القصاص

تجريد النواب من عضويتهم بالبرلمان.. ما الجديد؟

ويضيف القصاص لـ”العربي ستريت”: “من بين الأمور التي لم تعد سرية كذلك هي أنّه الرئيس التركي يسعى نحو تصفية حزب الشعوب الديمقراطي، وتجميد نشاطه، خاصة قبل الانتخابات المقبلة، حيث إنّ تراجع شعبية أردوغان وحزب العدالة والتنمية التي تكشف عنها الأرقام والإحصائيات المستمرة، تبعث بمخاوف عديدة من قيام المعارضة بالاصطفاف والتحالف ضد النظام، وهو أمر متوقع بل تم الإعلان عنه بهدف هزيمة أردوغان”.
وفي ظل “إعلان بايدن عن دعم المعارضة لإحداث تحول ديمقراطي وسياسي، بصورة شرعية، عن طريق صناديق الاقتراع، تتضاعف مخاوف أردوغان وتزداد قبضته على الحريات بصورة عشوائية ومربكة كما هو الحال”. يقول القصاص.
ويلفت الباحث المصري المتخصص في العلوم السياسية، إلى أنّ تجريد النواب من الحصانة وإسقاط العضوية عنهم لا يعد أمراً جديداً؛ فثمة سوابق عديدة لمثل تلك الحوادث، لكنها زادت، مؤخراً، وقد رافقتها عمليات الاعتقال الموسعة؛ حيث تم اعتقال قرابة 47 عضواً من قيادات وأعضاء حزب الشعوب الديمقراطي، في مدينة أضنة، جنوب تركيا، وولايات أخرى، من بينها ديار بكر وإسطنبول وباتمان وتونجلي وأنطاليا.
وتشير وكالة الأناضول الرسمية إلى أنّ تلك الاعتقالات تأتي ضمن “عملية تستهدف أنشطة حزب العمال الكردستاني ومنظمة اتحاد مجتمعات كردستان الإرهابية”.

ومن جانبه، يوضح الدكتور سامح مهدي، الباحث في العلوم السياسية، أنّ تراجع الحريات في تركيا، تكشف عنه أوضاع الصحافة والقضاء والجيش والأحزاب والمجتمع المدني؛ حيث لم تعد هناك مساحة للنقد أو هامش للمعارضة، بل تم تصفية أيّ دور رقابي، كما فقدت المؤسسات استقلاليتها، خاصة مع الغرامات المالية التي تتعرض لها الصحف غير الحكومية، مثلاً، والملاحقات القضائية لكل المشتبه في انحيازاته السياسية.

النظام والمعارضة.. كش ملك!

وبالعودة إلى التضييق المستمر على حزب الشعوب الديمقراطي، يوضح مهدي لـ”العربي ستريت” أنّ المدعي العام في أنقرة، قام بتقديم طلب للمحكمة الدستورية العليا، لجهة تجميد الحزب ووقف نشاطه، باعتباره يخالف الدستور، وهو ما يعكس رغبة النظام المحمومة في شل فعالية الحزب، ويردف: “بعد أيام من هذه الدعوى الذي قدمها المدعي العام، أصدر القضاء التركي حكماً جديداً بحق المرشح السابق لرئاسة الجمهورية، والزعيم السابق لحزب الشعوب الديموقراطي، صلاح الدين دميرتاش، والمسجون منذ عام 2016”.

وعقّب القيادي الكردي على الحكم الإضافي الذي صدر بحقه بأنّه: “سبق وأن حكمت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ببراءتي، لكن لا يوجد بتركيا قضاء مستقل قادر على تنفيذ مثل هذه القرارات، فها هو الادعاء العام بأنقرة صامت حيال الاتهامات الموجهة للوزير صويلو”، وتابع: “القضاء التركي يحاكمني بناء على اعترافات شهود سريين استمع لهم من قبل وزير الداخلية صويلو حينما كان مديراً للأمن، ليدبر الأخير مكيدة بحقي، يحاكمني بأدلة مشكوك فيها ويترك الوزير صويلو الذي طالته اتهامات علنية من زعيم المافيا، ولا تتحرك الأجهزة القضائية لمجرد التحقيق في تلك الاتهامات”.
واختتم حديثه: “حتماً سيأتي يوم يحكم فيه حزب الشعوب الديمقراطي تركيا، سنحقق الديمقراطية والسلام للبلاد، وسنوقف شلالات الدماء، ونضع الشرفاء فقط في الوزارات، ومعاً جميعاً سنحقق ذلك”.

زر الذهاب إلى الأعلى