تقارير

التحريض الإخواني في ليبيا يهدّد التسوية السياسية

حامد فتحي

تشهد ليبيا حرباً إعلامية ساخنة، بين المعسكرين اللذين أسكتا صراع البنادق، وهي حرب لا تقلّ في خطورتها عن الرصاص، وتهدّد النسيج الوطني، الذي كشف الصراع الداخلي، منذ عام 2011، ضعفه الشديد.

وبدأت الحرب بحملات إعلامية لا تهدأ من معسكر الإخوان المسلمين وحلفائهم في داخل البلاد وخارجها، بعد أن عجزوا عن تجاوز الخط الأحمر، الذي رسمته مصر والجيش الوطني الليبي أمام الاحتلال التركي وميليشيات الإخوان والجماعة المقاتلة.

ويريد الإخوان، الذين يمتلكون أذرعاً إعلامية تتفوق على نظيرتها لدى إقليم برقة والجيش الوطني، نشر الفوضى وتفتيت الوحدة في برقة، والاصطفاف خلف الجيش، عبر نشر أخبار وتقارير حول الانفلات الأمني، بهدف ترويع سكان برقة، ونشر الفتنة بين القبائل والجيش.

ويتغاضى هذا الإعلام عن الفوضى الأمنية التي تشهدها مدن الغرب الليبي، والتي تبلغ أضعاف ما شهدته مناطق الشرق، وهو ما يكشف بجلاء استمرار الحرب الإخوانية ضدّ الشرق الليبي، الذي تكاتف حول جيشه لوأد مخططاتهم وتسليمهم البلاد وثرواتها للأتراك.

الرائد محمود الورفلي

اغتيال الورفلي

استغلت الدعاية الإخوانية حادث اغتيال الرائد محور الورفلي، أبرز قيادات القوات الخاصة الليبية، في مدينة بنغازي، في 24 الماضي، لشن حملة ترويع لسكان بنغازي، خاصة أنّ الاغتيال جاء بعد الترويج الواسع لأخبار عن الكشف عن جثث مجهولة في أحد الأحياء.

ويعدّ الورفلي أحد أبرز القادة الميدانيين الذين حاربوا تنظيم أنصار الشريعة في مدينة بنغازي، ويعدّ ألدّ أعداء الميليشيات الإخوانية والإرهابية في ليبيا، وسعت الدعاية الإخوانية إلى شقّ صفّ وحدة القوات المسلحة الليبية، عبر ترويج أكاذيب عن تورّط أبناء المشير حفتر، وهم ضباط في الجيش، باغتيال الورفلي.

ونشرت وكالة “الأناضول” تحليلاً صحفياً بعنوان “اغتيال محمود الورفلي قد يعجل برحيل حفتر من المشهد الليبي” تروّج فيه للرواية الإخوانية التي تنسب اغتيال الورفلي إلى قوات عسكرية يقودها صدام وخالد، ابنا المشير خليفة حفتر.

ويقول المحلل السياسي الليبي، محمد قشوط؛ إنّ هناك موجة تصعيد إعلامية من المنابر الموجودة في طرابلس وتركيا، مموّلة من قطر، تستهدف الجيش الوطني ومدينة بنغازي، منذ نيل حكومة الدبيبة الثقة من مجلس النواب.

المحلل السياسي الليبي محمد قشوط

ويردف قشوط، في حديثه لـ “العربي ستريت”، بأنّ “المنابر الإخوانية تعمل على تأجيج الفتنة، وصولاً لبدء تنفيذ اغتيالات وعمليات خطف، وتوجيه اتهامات باطلة، كي تصوّر للرأي العام، المحلي والدولي، أنّ الوضع الأمني منفلت”.

وأكد قشوط؛ أنّ “من واجب حكومة الدبيبة وقف حملات التحريض الممنهجة، وزيارة بنغازي لقطع الطريق على هذه الحملات، ولمّ الشمل الليبي”.

فوضى في الغرب

مقابل ذلك، شهدت مدن الغرب الليبي العديد من حوادث الاغتيال والخطف، خلال الأسبوع الماضي، دون أن تثير ضجة في الإعلام الذي تموّله جماعة الإخوان، أو الإعلام الرسمي، الذي تديره قيادات محسوبة على الجماعة.

وبدأت موجة الاغتيالات بالشرطي وليد كشيدان، ابن مدينة مسلاته، الذي لقي حتفه في ظروف غامضة، ووجدت جثته داخل إسطبلات الملقاط لتربية الخيول، في منطقة وادي الربيع، جنوب طرابلس، وذلك في 27 من الشهر الماضي.

وفي اليوم نفسه، أصدر شباب قبيلة الكوارغلية، في مدينة الزاوية، بياناً دانوا فيه عمليات القتل الممنهج التي تمارسها الميليشيات في المدينة.

وجاء في البيان؛ “في البداية نترحّم على الشابين اللذين قتلا بدم بارد، وبطريقة وحشية، في ظرف أسبوع واحد، وهما؛ وسام كمال الزحوف، والشاب محمد أحمد الطيب باكير”.

بيان شباب قبيلة الكوارغلية

وطالب البيان رئيس الوزراء بحكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، ووزير الداخلية، وعضو المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، بالتدخّل بوضع حلّ جذري لهؤلاء المجرمين المحسوبين على جهات أمنية، وتسليم المتهمين باغتيال عدد من أبناء المدينة، مهدّدين بإطلاق عملية عسكرية ضدّ الميليشيات المحسوبة على الحكومة، والمرتزقة السوريين والأفارقة، ما لم يتم ضبط الأمن في المدينة، وتسليم المطلوبين.

وفي اليوم التالي للبيان، شهدت مدينة الزاوية عملية اغتيال، راح ضحيتها الميليشياوي أسامة ميلود كوكو، التابع لميليشيات الخضرواي، التي تورّطت في عمليات إجرامية، من بينها جرائم خطف لرجال أعمال، وطلب فدية مقابل الإفراج عنهم.

تناحر الميليشيات

وشهد أواخر الشهر الماضي عدداً من العمليات الإجرامية، من بينها اغتيال مواطن طرابلسي، عند معبر رأس أجدير، على الحدود مع تونس، على يد ميليشيا غنيوة الككلي، على الرغم من انضواء الميليشيا تحت إدارة السلطة الليبية في الغرب، بعد أن عيّن رئيس المجلس الرئاسي السابق، فايز السراج، آمر ميليشيا الدعم المركزي، أبو سليم، عبد الغني الككلي (غنيوة الككلي)، في منصب رئيس جهاز “دعم الاستقرار”، بدرجة مستشار أمن قومي.

وفي مدينة وليد، قامت مجموعة إجرامية بقتل مؤذن مسجد، من الجنسية التشادية، وسرقة ممتلكاته، وتعرّض سائق سيارة مرسيدس للخطف في اليوم نفسه.

زاد التدخل التركي من الجريمة في ليبيا

ويرى محمد قشوط؛ أنّ الميليشيات في غرب ليبيا متنوعة في أهدافها وتكوينها؛ فهناك ميليشيات لها انتماء أيديولوجي، وأخرى تمتهن الجريمة، وجميعها تتفق على ضرورة الحفاظ على الوضع دون تغيير.

وأضاف قشوط: “الميليشيات توجه رسالة تهديد للسلطات الجديدة، حتى تبقى تحت هيمنتها، وللأسف هذه السلطات ترى وتعلم ذلك، ولا تتحرك، وكلّما تأخرت في التحرك لمواجهة الجريمة والفوضى، زادت الميليشيات من جرائمها ونفوذها”.

وكان رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، قد طالب النائب العام بفتح تحقيق بشأن الجثث التي جرى العثور عليها في مدينة بنغازي، في 20 من الشهر الماضي، بحسب ما نشرت وسائل إعلام موالية للإخوان.

وشدّد الدبيبة على أنّ مثل هذه الأحداث لن تتكرر مرة أخرى، والتسامح معها أو التغطية عليها، تحت أيّة ذريعة، لن يكون مقبولاً. بينما لم يصدر أيّ بيان عنه حول الجرائم العديدة التي وقعت في المنطقة الغربية، وهو ما عدّه ناشطون ليبيون تحيزاً منه ضدّ بنغازي، التي لم يزرها حتى الآن، وأرسل وفداً من وزراء حكومته إليها لتسلم السلطة من الحكومة المؤقتة.

وأثارت ازدواجية الدبيبة سخطاً كبيراً في بنغازي والمنطقة الشرقية، معتبرين ذلك دلالة على مسار السلطة الجديدة، وتحيزها لصالح الغرب، ما يعيد أزمة المجلس الرئاسي السابق، ويقوّض جهود توحيد مؤسسات البلاد، والتحضير للانتخابات بنهاية العام الجاري، والتي تتطلب تفعيل مفوضية المصالحة الوطنية.

وتحتاج ليبيا إلى جهود كبيرة لرأب الصدع بين المنطقة الشرقية والغربية، بعد سنوات من القتال، اتخذت طابعاً جهوياً، ساهم في إحياء النزعة الجهوية.

وزاد ما تعرّض له الرحّالة الليبي، عبد العالي الحبوني، من إهانة ونحر ناقته في مدينة الزاوية، مشاعر الغضب في المنطقة الشرقية؛ إذ تعرّض الحبوني لمعاملة سيئة في مصراتة، وغيرها من المدن الغربية، وصلت حدّ ذبح ناقته التي كانت مطيته للترحال في البلاد، داعياً إلى السلام.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى