مقالات

الاتفاق النووي.. بين تنازلات بايدن ومعارضة الجمهوريين

ماريا معلوف

أسمع هنا على الدوام في واشنطن أن “إيران تعد من بين أهم مشاكل الأمن القومي التي تواجهها الولايات المتحدة”.

في الوقت الذي يعتقد معظم مَن في عالمنا العربي أن إيران لا تعدو كونها في مفهوم الولايات المتحدة خصماً لخصومها لا أكثر.

وعندما انسحبت واشنطن من الاتفاق النووي في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات قاسية على طهران التي تراجعت في المقابل عن الالتزام بالكثير من بنود الاتفاق، أصابت ذلك الاتفاق في مقتل، لكن عندما أبدى – عقب فوزه – الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن عزمه العودة إلى الاتفاق، لكن بشرط عودة طهران إلى التزاماتها، استغرب الكثيرون هذا الموقف من الاتفاق النووي مع إيران وتساءلوا عن مدى قدرة بايدن في هذا الشأن، خصوصا أن بعض أعضاء الحزب الجمهوري يقولون إنه حتى بايدن لا يعرف بشكل حاسم ما إذا كان سيعود إلى الالتزام بالاتفاق النووي كما يرغب قطاع كبير من مؤيديه ومنتسبي الحزب الديمقراطي، أم أنه سيقف بقوة وراء طلب “تنازلات” إيرانية يصعب قبول النظام الإيراني بها أم أنه سيستكمل سياق الضغوط التي بدأها الرئيس ترامب.

خلال هذه الساعات تُستأنف المحادثات في فيينا بعد أن عقد الأطراف الذين لا يزالون منضوين في الاتفاق – أي إيران والدول المعروفة بمجموعة 4+1 “فرنسا، وبريطانيا، وروسيا، والصين، وألمانيا” اجتماعاً، يوم الثلاثاء الماضي، حضرته الولايات المتحدة لكن بدون المشاركة مباشرة في المباحثات.

ومنذ مطلع شهر مارس كان الحديث هنا في واشنطن حول ما أبداه كثيرون من نواب الحزب الجمهوري بالكونجرس الأمريكي من معارضتهم لعودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق النووي، حيث كتب خمسة من واضعي القوانين الجمهوريين خطاباً إلى الرئيس جو بايدن أوضحوا فيه أن كثيرا من المشكلات لا تزال تعتري الاتفاق الموقَّع مع إيران، كما أن الأطر الزمنية الموضوعة بشأن القيود على أنشطة طهران النووية كانت حسب الرسالة “قصيرة للغاية في الاتفاق الأصلي، وغير واقعية الآن”، وقد التقيت خلال الساعات القليلة الماضية بالسياسي الأمريكي المخضرم مايكل جونز الذي أبلغني أن الموقعين على الخطاب الموجه إلى البيت الأبيض هم جيمس إنهوفي وجيمس ريش، وهما في لجنتي القوات المسلحة والعلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، و٣ أعضاء في مجلس الشيوخ، هم روب بورتمان وبات تومي وماركو روبيو.

وخلال حواري معه أدركت أن الإدارة الأمريكية في حال قررت الانخراط مع إيران فإنها ستكون بحاجة إلى استراتيجية موسعة من الحزبين، تشمل إنهاء طهران لأنشطتها المهددة لاستقرار المنطقة، وضمان أن تكون القيود المفروضة على برنامجها النووي ذات مدة زمنية طويلة بما يكفي لضمان ألا تستخدم طهران هذه الأدوات لتهديد جيرانها، بل إنه حسم أن أي اتفاق جديد مع إيران سيشمل معالجة قضية الإرهاب الإقليمي، وبرنامج إيران للصواريخ الباليستية واحتجاز المواطنين الأمريكيين، وكلنا سمعنا ما قاله وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف عقب انتهاء المحادثات على سبيل التهكم “إننا لم نسمع من الأمريكيين سوى الكلام عن المعتقلين”.

نعم، فإن الجمهوريين في الكونجرس يعملون منذ أسابيع على مجموعة من الإجراءات لمنع إدارة بايدن من العودة إلى الاتفاق النووي لعام 2015 مع إيران عبر جهد يتضمن ضغطا قضائيا كاملا لمنع رفع العقوبات عن طهران حتى تقوم بتفكيك برنامجها النووي، لكن يواجه الجمهوريون هنا معركة شاقة نظرا لسيطرة الديمقراطيين على الكونجرس وقدرة إدارة بايدن على توجيه السياسة الخارجية للولايات المتحدة خلال السنوات الأربع المقبلة، ولكن بالمقابل فإن معارضة تخفيف العقوبات من قبل الحزبين قد تجبر الإدارة على إعادة ضبط نهجها في الدبلوماسية تجاه طهران.

لست هنا في وارد أن أقوم بتنبيه الرئيس بايدن إلى أمر ما ولا أعطي لنفسي مثل هذا الشيء، لكن أرى أنه من الضروري عدم الاستعجال نحو المفاوضات، لأن ذلك سيرسل إشارة طمأنة إلى دول أخرى مثل كوريا الشمالية في سلوكها ضمن ما يشبه هذا الملف وعلى فريق بايدن أن يتذكر أن الاتفاق النووي المُلغى لم يكن معاهدة أو اتفاقية تنفيذية، بل مجرد التزام سياسي ضعيف، وأن حوافز أحادية الجانب لإيران يمكن أن يعطيها لها الرئيس بايدن قد تهدئ القاعدة الداعمة لهذا الرأي في الحزب الديمقراطي، لكنها لن تغير السلوك الإيراني، ولا المخاوف من أهدافها النووية المتزايدة، ولا استثمارها في الصواريخ الباليستية ولا جهودها في إخفاء أرشيفها النووي.

الموقف الايراني هنا يبدو وللأسف هو الموقف الضاغط على إدارة بايدن، حيث إنه من الواضح أن إيران قررت ممارسة الضغط على تلك الإدارة بأشد الصور، بل إنهم صوروا أنفسهم باعتبارهم مشكلة يجب معالجتها بعد أن استأنفوا زيادة تخصيب اليورانيوم إلى نسبة 20 في المئة في منشأة “فوردو” السرية المبنية فعلياً داخل جبل، وبالتالي فمع تخصيب هذا العنصر الكيميائي إلى هذا المستوى، لن تكون إيران بعيدة عن إنتاج المواد الانشطارية اللازمة لصنع أسلحة نووية. وهذا بالتأكيد أكثر الخروقات الإيرانية إشكاليةً لأحكام “الاتفاق النووي الإيراني”.

البعض هنا في واشنطن يتحدث عن إمكانية اتفاق قائم على مبدأ يعرف في علم السياسة بـ”أقل مقابل أقل”؛ وهو هنا بمعنى أن تخفف الولايات المتحدة العقوبات بدرجة محدودة، بينما تتراجع إيران عن أعمالها المخالِفة للامتثال. وبصورة المثال هنا يمكن أن تسمح واشنطن لطهران بالوصول إلى بعض حساباتها المجمدة في الخارج، مقابل وقف إيران لعمليات التخصيب إلى نسبة 20 في المائة، وتقليص مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب من أكثر من 2400 إلى 1000 كيلوجرام، وتفكيك مجموعات أجهزة الطرد المركزي المتقدمة التي لديها.

أخيراً، يمكن القول إن الرئيس بايدن سيسلك طريق “العودة” إلى الاتفاق، ولكن بأسلوب مراوغ.. بمعنى أنه وفي المواقف العلنية، ستطمئن إدارة بايدن الرأي العام، خاصة الجمهوريين ومؤيدي إسرائيل في الداخل الأمريكي، إلا أن هناك شروطاً كثيرة ومواقف متشددة من إيران قبل أي “عودة” للاتفاق، ولعل الغارة الأمريكية على الحدود السورية، هي مثال صارخ على ذلك. فقد شكلت “ضرورة” عسكرية للإبقاء على صورة الردع قائمة، بعد قصف موقع أمريكي في كردستان العراق. ورسالة إلى الداخل الأمريكي لتفادي انتقادات الجمهوريين لإدارة بايدن.

أما في الواقع العملي، فإن إدارة بايدن تحاول “إضعاف” المعارضة الإقليمية، من جانب العرب من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، للاتفاق، عبر الضغط في اليمن، وحكومة بنيامين نتنياهو، ليسهلوا العودة إلى “طاولة الاتفاق”.

وأختم مقالي مثنية على ما ختم به النواب الجمهوريون خطابهم للرئيس بايدن من قولهم:

“إيران تشكل خطراً جدياً على أمن الولايات المتحدة القومي وأمن حلفائنا حول العالم، وأن إدارتك لديها الفرصة لوضع خطة زمنية متوازنة وبناء توافق مهم والحرص على أن أي اتفاق مستقبلي سيتطرق إلى المصالح الأمنية القومية وينجو من أي تغيير مستقبلي في الإدارة الأمريكية”، وأضيف أن “ما ينفع في هذا الأمر هو السعي الكامل لإنهاء البرنامج النووي الإيراني”.

العين الإخبارية

زر الذهاب إلى الأعلى