مقالات

إلى أين وصل التطبيع التركي-المصري؟

خورشيد دلي

خلال اجتماع تقييمي للسياسة الخارجية التركية في عام 2021 قال وزير الخارجية التركي، مولود تشاويش أوغلو، إن هناك “صفحة جديدة بين تركيا ومصر”.

تصريح “أوغلو” كان بين سلسلة تصريحات أطلقها مسؤولون أتراك كبار في نهاية العام الماضي، أكدت جميعها رغبة تركيا في فتح صفحة جديدة مع مصر ودول الخليج العربي وإسرائيل، ومع أن هذه التصريحات ليست جديدة، فإن إطلاقها بهذا الشكل وفي هذا التوقيت كان أقرب إلى رسائل سياسية ودبلوماسية، مفادها استعداد تركيا لاتباع سياسة إقليمية جديدة في المرحلة المقبلة.

تصريحات “أوغلو” بشأن فتح صفحة جديدة مع مصر وجّهت الأنظار إلى ما جرى على خط مسار تطبيع العلاقات بين تركيا ومصر، وإن كانت هناك جولة جديدة من المحادثات بينهما بعد الجولة الثانية التي عقدت في سبتمبر الماضي، فمن وقتها لم نشهد أي محادثات رسمية بين الجانبين، ومعظم ما سمعناه عن هذا المسار كان أقرب إلى “المجاملات” السياسية في المناسبات الوطنية والأحداث الإنسانية والسياسية.

بداية، لا بد من القول إن ما يميز مسار عودة العلاقات التركية-المصرية، التي انقطعت منذ عام 2013، هو البطء الشديد، ولعل إطلاق صفة “الاستكشافية” على المحادثات الجارية بين البلدين تلخص بقاء هذه المحادثات في مكانها على شكل المراوحة، وهي محادثات يمكن تلخيصها في مسارين:

الأول مسار العلاقات الثنائية، حيث يمكن القول إن هذا المسار شهد نوعا من التطور، تمثل في الإجراءات التي اتخذتها السلطات التركية ضد عناصر جماعة الإخوان، من وقف لقنواتها الإعلامية، وضبط لخطابها التصعيدي ضد مصر والدول العربية، والحد من تصرفات بعض قادة هذه الجماعة، ما أدى إلى هروب بعض هؤلاء إلى خارج تركيا، كما أن هذا المسار له علاقة بتفعيل بوابات العلاقات الثنائية الرسمية، مع أنها لم تصل إلى حد فتح السفارات وتبادل السفراء.

الثاني مسار القضايا الإقليمية، وتحديدا الوجود العسكري التركي في ليبيا وسوريا والعراق، واللافت أن هذا المسار لم يشهد تطورات واضحة، لا سيما في ليبيا في ظل إصرار أنقرة على التمسك بصحة الاتفاقية التي وقعتها مع الحكومة الليبية السابقة، فيما تشكل هذه القضية خلافا جوهريا بين تركيا ومصر، خلافا لمسار العلاقات الثنائية، الذي تُبدي فيه تركيا مرونة لافتة، لا سيما في ملف الإخوان، وملف تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية.

في الواقع، تطبيع العلاقات التركية-العربية، يجري في ظل ظروف ومتغيرات إقليمية ودولية مهمة للطرفين، ما يدفع بهما إلى النفاذ نحو البوابات الممكنة من أجل فتح “صفحة جديدة”، فمحادثات الملف النووي الإيراني في فيينا تدفع بالطرفين إلى كيفية التعامل والتنسيق إزاء تداعيات هذا الملف على المنطقة وأمنها، لا سيما إذا انتهت هذه المحادثات باتفاق بين إيران وبين أمريكا والغرب، كما أن سياسة الإدارة الأمريكية الجديدة، التي تأخذ شكل الانعزال عن الشرق الأوسط والخليج العربي لصالح أولوية الصين أمريكيا، تدفع بالجانبين إلى إمكانية تدوير القضايا المشتركة بما يحفظ الأمن والاستقرار الإقليميين، لا سيما بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان.

يُضاف إلى ما سبق، أهمية العامل الاقتصادي والتجاري في تطوير هذه العلاقات، خاصة في ظل تداعيات جائحة كورونا، فضلا عن العامل الاقتصادي التركي الداخلي، وتداعيات ذلك على الأوضاع المعيشية داخل تركيا، في ظل إصرار المعارضة التركية على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة رفضها الرئيس التركي.

دون شك، فإن التحولات التي تشهدها السياسة التركية تجاه العالم العربي على وقع متغيرات إقليمية ودولية، تحظى باهتمام عربي كبير، وما المبادرة الإيجابية، التي تبديها دولة الإمارات تجاه هذه التحولات، إلا مقدمات إيجابية، ما يؤكد الحرص على إتمام عملية التقارب من جهة، ومن جهة ثانية الحرص على إيجاد حل للملفات الخلافية، تطلعا إلى فتح “صفحة جديدة” في العلاقات التركية-العربية عموما.

العين الإخبارية

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى