تقارير

إخوان ليبيا: تعدّدت الأسماء والمضمون واحد

حامد فتحي

لم يكن خبر تغيير جماعة الإخوان المسلمين الليبية اسمها إلى جماعة “الإحياء والتجديد” يستحق المتابعة، لولا أنّ هذا الفرع، الذي لا يتعدّى عدد أعضائه بضع مئات، يتحكّم في مصير دولة ليبيا، عبر شبكة تحالفات واسعة دولية ومحلية.

فالفرع الليبي للإخوان لا يوجد له حضور فاعل على المستوى الفكري، أو التمثّيل السياسي الحقيقي، وحتى بيانه الذي أعلن فيه هذا التغير كشف جهلاً كبيراً مسيطراً على هؤلاء الأفراد، وظهر ذلك في اختيارهم لاسم “الإحياء والتجديد”، المحمّل بحمولات مستهلكة من صراعات فكرية تعود لقرن وأكثر من الزمان.

علي الصلابي (يمين) من القيادات الإخوانية الليبية

تغيير لافتة الجماعة

نشرت جماعة الإخوان المسلمين الليبية في طرابلس، بياناً، في الثاني من الشهر الجاري، أعلنت فيه تغيير اسمها إلى جماعة “الإحياء والتجديد”، وبررت ذلك بأنّ القرار جاء بعد “جولات من الحوار والبحث انتظم فيها أعضاء الجماعة في ورش عمل متعددة، وندوات جامعة ومؤتمرات استثنائية”، وذلك بدافع “الحرص على الاستجابة لحاجات الوطن ومتطلبات المرحلة، وذلك من أجل الإسهام مع كلّ المخلصين المنصفين في بناء الوطن ونهضته”.

وأعلنت الجماعة أنّ هدفها يتمثّل في إحياء “الدعوة إلى التمسك بمنهج الإسلام الوسطي وتعاليمه، وتجديد يستلهم أصول وثوابت الإسلام، مستفيدة من كلّ حكمة راجحة لضمان فهم عميق للواقع واستشراف بصير للمستقبل”.

وتعهدت بأن تؤدّي جمعية الإحياء والتجديد رسالتها في المجتمع الليبي من خلال “عملها الدؤوب في شتى مجالات العمل العام، إيمانًا منها بأنّ المدخل الحضاري للتغيير والنهضة هو العمل المجتمعي؛ للإسهام في قيام مجتمع مدني لا يضيق بالتنوّع والاختلاف”.

وأشار البيان إلى الدور المزعوم الذي قامت به الجماعة في خدمة ثورة 17 فبراير، وتحمّلها تضحيات كبيرة في سبيل ليبيا، مؤكداً أنّه بعد عقد من الثورة تحققت الآمال بتشكيل حكومة وحدة مدنية، دون نسيان التعريض بالكلام لخصوم الجماعة ممن وصفتهم بـ “سراق الثورات”.

وخلا البيان، الذي جاء في صفحتين، من أية إشارة إلى المرتكزات التي قام عليها هذا التحوّل، أو التي ستبني عليها الجماعة رؤيتها الجديدة للشأن العام، وموقفها من القضايا التي يُتهم بها الإخوان، مثل؛ ممارسة العنف والعلاقة مع الإرهاب ورؤيتهم الدستورية والقانونية للبلاد والموقف من الدولة الوطنية، وعلاقتهم بالتنظيم الدولي للإخوان.

وغفل البيان عن حقيقة وضع الجماعة في ليبيا، إذ تكتسب قوتها من تحالفها مع قوى غربية، خصوصاً بريطانيا والولايات المتحدة، مدعومة بعلاقات وطيدة مع ميليشيات مصنفة إرهابية، وأخرى جهوية تنتمي لمناطق مصراتة وطرابلس والغرب، ولا تستمد الجماعة قوتها العسكرية من ميليشيات أيديولوجية بقدر استفادتها من الحساسية الجهوية في ليبيا، وهو ما يعني أنّ التغيير المطلوب من الجماعة هو في الأساس تغيير مواقف عملية، لا كتابة بيان خالٍ من الجدة، بل ويثير السخرية.

وتملك الجماعة ذراعاً سياسية هي حزب العدالة والبناء، والذي أخفق في الحصول على تمثيل سياسي يُذكر في الانتخابات التشريعية الوحيدة، عام 2014، وفي الانتخابات البلدية اللاحقة.

لماذا الآن؟

يرى المحلل السياسي الليبي، محمد قشوط، أنّ تنظيم الإخوان في ليبيا بات مدركاً لانعدام شعبيته ورفض الشارع لوجوده بعد عشرة سنوات من سيطرته على مؤسسات الدولة المالية واستخدامه للمليشيات لتمكين وجوده، وتورّطه المباشر في تمكين تركيا من احتلال القواعد العسكرية والموانئ البحرية بالمنطقة الغربية، بعد أن طردوا من ليبيا قبل 120 عاماً.

المحلل السياسي الليبي محمد قشوط

وأردف قشوط في حديثه لـ “العربي ستريت”؛ أنّ التحوّل في الاسم جاء استشعاراً من الإخوان لـ “خطر إجراء الانتخابات في موعدها، نتيجة الضغط المحلي والدولي بعد الإخفاق في تعطيلها، ولذلك قاموا بهذا التلوّن والخروج باسم جديد كمحاولة لجذب أصوات الناخبين، بعد أن صار الاحتكام للسلاح مجمداً”.

وبالعودة لتجربة الجماعة في أول انتخابات تشريعية في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير، والتي أُجريت في 2014، حصد التيار المدني والليبراليون الأغلبية العظمى منها، بينما حصل الإخوان والجماعة المقاتلة وبقية الإسلاميين على 30 مقعداً من 188 مقعداً أُعلنت صحة نتائجهم؛ لذلك يخشى الإخوان وحلفاؤهم من أية انتخابات في البلاد، ويعود ذلك إلى أنّ طبيعة الشعب الليبي، حيث الهوية الجهوية والقبلية والانتماء للمدن يقطع الطريق على الإخوان لخلق تيار عريض يقوم على معاداة السلطة كما يحدث في الدول المركزية مثل مصر.

وجاءت نتيجة الانتخابات البلدية، التي عقدت في عدة بلديات مطلع العام الجاري، في المنطقة الغربية، لتكشف إخفاق الإخوان في تكوين حاضنة شعبية أو كتلة تصويتية رغم سيطرتهم على ثروات ومؤسسات الدولة.

ففي بلديات حي الأندلس وسواني بن آدم في طرابلس الكبرى، وقصر الأخيار، تقدّمت القوائم التي تضمّ قيادات محلية على حساب القوائم الإخوانية، رغم توظيف الإخوان للميليشيات في توجيه الناخبين وتعطيل بعض اللجان.

 منظور إقليمي

ولا ينفصل هذا التحوّل الإخواني، رغم عدم جدواه، عن تغيرات أوسع تحدث في المنطقة على مستوى فروع تنظيم الإخوان الدولي، وعلاقات الدول الداعمة والمعادية للإخوان.

ففي المغرب يبدو أنّ هناك توجهاً لمعالجة مسألة عزوف الناخبين عن التصويت التي تسمح للقواعد النشطة للإخوان بتحقيق الصدارة لهم في الانتخابات، عبر إقرار القاسم الانتخابي الجديد، الذي سيقلّص بقوة من حجم المقاعد التي سيحوزها حزب العدالة والتنمية الذراع السياسي للإخوان.

وفي تونس، باتت حركة النهضة الإخوانية في وضع لا تُحسد عليه، بعد أن أوصلتها أطماعها إلى قطيعة تامّة مع رئاسة الجمهورية، وخلافات كبيرة مع الأحزاب السياسية، كادت أن تطيح بالغنوشي من رئاسة البرلمان، لولا المال الخارجي والعلاقات المنسوجة مع حزب قلب تونس، برئاسة المحبوس على ذمة قضايا فساد مالي، نبيل القروي، وفي الجزائر واجهت الجماعة تصدياً قوياً من السلطات بعد اكتشاف علاقاتها بالأتراك.

وعلى مستوى الصراع الإقليمي، بدأت تركيا في التخلي النسبي عن الإخوان المسلمين المصريين الهاربين إليها، وتلجيم هجومهم الإعلامي ضدّ مصر، وبحث مسألة تسليم المتهمين منهم في جرائم إرهابية، إلى جانب استمرار سياسة الحزم في الخليج، عدا قطر والكويت، ضدّ الأذرع الإخوانية ومموليهم من الوافدين والمواطنين.

ويؤكّد محمد قشوط أنّ التغيير الذي أعلن عنه إخوان ليبيا، يأتي في إطار التكتيكات الجديدة التي تنتهجها الجماعة ليس في ليبيا فقط، بل في تونس ومصر أيضاً، ويقول: “لا أستبعد أنّه يأتي بإيعاز تركي نظراً للتقارب المصري التركي ومحاولات تركيا أن تبعد عن نفسها تهمة دعم التنظيم طيلة السنوات الماضية، إضافة لتحرك عدة دول نحو تصنيف التنظيم بالإرهابي الأمر الذي يدفعه لاختيار مسميات جديدة وخطط بديلة تكون مناسبة للتعامل مع هذه المتغيرات”.

ومن غير المتوقع أن تثير الخطوة الإخوانية أكثر من صدى إعلامي وقتي، بعد انكشاف الوجه الحقيقي للإخوان، على مستوى التنظيم الدولي والفروع، كبيادق في يد دولة معادية للمنطقة، إلى جانب أنّ الإخوان في ليبيا مستمرون في السيطرة على مؤسسات الدولة، ويعرقلون جهود البرلمان لإقرار التعيينات الجديدة في المناصب السيادية، رغم توصلهم لاتفاق في بوزنيقة في المغرب حولها عبر الجسم السياسي المنحل، المجلس الأعلى للدولة الذي يخضع لسيطرتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى