مقالات

«إخوان» تونس و«رقصة الديك المذبوح»

الهاشمي نويرة

قطعت تونس يوم 22 سبتمبر 2021 يوماً جديداً في اتّجاه القطع النهائي مع منظومة «الإخوان» التي عبثت بالدولة التونسية وحاولت على مدى عشر سنوات وضع اليد على مفاصلها الأساسية تمهيداً لإحداث تغييرات جذرية على طبيعة المجتمع التونسي.

وكادت حركة النهضة الإخوانية أن تنجح في مسعاها لَوْلَا هبّة التونسيين يوم 25 يوليو الماضي، والتي أكّدت بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ المواطن التونسي رافض بالمطلق لمواصلة هيمنة «الإخوان» على الدولة والمجتمع، وهو رفض التقطه الرئيس التونسي قيس سعيّد وتصرّف بمقتضاه وأعلن جملة الإجراءات التصحيحية في اليوم ذاته، وهي إجراءات لقيت تأييداً واسعاً لدى المجتمع السياسي والمدني التونسي ولدى شرائح واسعة جدّاً من الشعب.

ورغم أنّ قيس سعيّد أضاع وقتاً ثميناً قبل المرور إلى ما يجب القيام به للقطع النهائي مع الإرث الإخواني فإنّ إصداره للأمر الرئاسي 117 الذي جدّد بمقتضاه مدّة تجميد «برلمان الإخوان» إلى جانب مجموعة من التدابير الاستثنائية التي احتكر بفضلها السلطتين التنفيذية والتشريعية، يُعتبر خطوة أخرى في اتجاه التمهيد لإرساء منظومة سياسية جديدة ستقطع بالتأكيد منظومة «النهضة الإخوانية»، ولكنّها قد لا تلبّي بالكامل رغبة المواطن التونسي في تركيز منظومة سياسية موصَدة أمام جماعات «الإسلام السياسي» التي يمكن أن تبدّل قشرتها ولكنّ التجارب أظهرت أنّها لا تتغيّر مطلقاً.

وقد لمسنا خلال الأيّام الماضية محاولات محمومة من «النهضة الإخوانية» وحلفائها في المنظومة المنتهية من أجل بعث الروح في البرلمان السابق مدعومة في ذلك بمنابر إعلامية في الداخل والخارج ولكنّ هذه المحاولات باءت كلّها بالفشل.

وقد يكون التردّد وعدم حسم الأمور بالسرعة المطلوبة هو الذي حفّز رئيس حركة النهضة الإخوانية راشد الغنّوشي ودفعه إلى إظهار التشبّث بـ«شرعية» انتخابية تهاوت تحت ضربات رفض المواطنين لها.

وقد يكون أيضاً عدم إشراك مكوّنات المجتمع المدني والسياسي التونسي التي ساندت بقوّة الحركة التصحيحية لـ25 يوليو الماضي، في وضع معالم المرحلة المقبلة، ساهم هو الآخر في تغذية «الأمل» لدى الحركة الإخوانية التي قدّرت أنّه يمكن لها الاستفادة السياسية من التململ الذي أثارته التدابير الاستثنائية الجديدة التي كثّفت جلّ السلطات بين أيدي الرئيس.

وإنّ هذا الاعتقاد الخاطئ هو الذي دفع جماعات «الإخوان» وحلفاءهم إلى محاولة المرور بقوّة الجمعة الماضي لعقد جلسة للبرلمان المجمّد نشاطه، وهي محاولة فشلت فشلاً ذريعاً ومُهيناً لرئيس الإخوان راشد الغنّوشي.

إنّ سياسة «الإخوان» واضحة المعالم هذه المرّة، وتتمثّل في السّعي إلى الإيهام بوجود شرعية مزدوجة على الأرض، وبأنّ شرعيتهم لا تزال قائمة، وهي الرسالة التي تحاول النهضة الإخوانية توجيهها إلى الخارج من أجل مزيد من الضغط على الرئيس التونسي قيس سعيّد بقصد التراجع عن حركة 25 يوليو التصحيحية، ومعلوم أنّ حركة النهضة الإخوانية تراهن فقط على الدعم الخارجي من أجل الاستمرار في المشهدين الحزبي والسياسي بعد انحسار قاعدتها الانتخابية وفقدانها للحاضنة الشعبية في تونس.

ونعتقد أوّلاً، أنّه لا مجال لقطع الطريق من أمام «الإخوان» و«الإسلام السياسي» عموماً غير المضيّ قُدُماً في كشف حقائق الاغتيالات السياسية والجهاز السرّي لحركة «النهضة» وإماطة اللثام عن مجموعة الجرائم التي قد تكون هذه الجماعات ارتكبتها ومحاسبة المتسبّبين فيها.

وثانياً، يكاد إجماع مكوّنات المجتمع المدني والسياسي حاصلاً على أنّ الرئيس التونسي مطالب بتوسيع دائرة مشاوراته لتشمل القوى السياسية والمدنية وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد العمّال) وخصوصاً في تحديد معالم المرحلة المقبلة، ذلك أنّ كلّ هذه الأطراف المؤمنة بمدنية الدولة والمجتمع هي على موقف واحد، وهو أنّ التشاركية في تحديد ما هو مطلوب الآن هي التي يجب أن تميّز سلوك الرئيس في هذه المرحلة الاستثنائية.

إنّ هدف «الإخوان» هو مزيد عزل الرئيس عن المشهدين المدني والسياسي، وإنّ تردّد الرئيس في القطع الفعلي مع هذه الجماعات، كما أنّ إصراره على عدم إشراك الأحزاب ومنظمات المجتمع التونسي في تحديد ملامح المرحلة المقبلة، كلّها من العوامل التي قد تُعطي بعض الأمل لحركة «النهضة» ومن قاربها في الفكر والسياسة من أجل خوض معركة هذه الشرعية الموهومة. إنّ معركة «النهضة الإخوانية» حَسَمَ أمرها الشارع التونسي ولكنّ معركة «الإسلام السياسي» و«الإخوان» هي معركة المجتمع التونسي بكلّ مكوّناته، ولن يكون بمقدور الرئيس قيس سعيّد خوضها بصفة منفردة، وإنّ بناء مجتمع ديمقراطي وتعدّدي ليس بحالٍ عمل فرد مهما تفرّدت وتسامت مواقفه، إنّها سمفونية تعزفها كلّ مكونات المجتمع مهما اختلفت المواقف والمواقع. ولأنّ المجتمع التونسي راسخ في النضال الوطني والمدني، فإنّ حتمية انفتاح الرئيس على المحيط السياسي والمدني هو الذي من شأنه أن يحوّل الشطحات الإخوانية إلى «رقصة الديك المذبوح».

البيان

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى