تقارير

أزمة تاريخية ومصير غامض.. ما جديد إخوان تركيا؟

رشا عمار

تضييق غير مسبوق تمارسه السلطات التركية ضد عناصر جماعة الإخوان المتواجدين على أراضيها، خاصة في ظل تأزم مشروع أنقرة لإقرار مصالحة مع القاهرة، ومحاولة استخدام الجماعة كأحد أوراق التفاض لإحياء المباحثات التي تعثرت بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الماضية.

وقررت السلطات التركية خلال الأسابيع الماضية وقف بعض البرامج الإعلامية لمذيعين منتمين لجماعة الإخوان، وكذلك إخضاع كافة القنوات التي تبث من أراضيها بوقف الخطاب العدائي والتحريضي ضد القاهرة.

وقبل أيام، أعلن القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان إبراهيم منير، رسميا قرار حل المكتب الإداري لشؤون التنظيم بتركيا وكذلك مجلس شورىالقطر، كما قرر تأجيل الانتخابات الداخلية التي كان من المزمع إجراؤها خلال أسابيع لاختيار أعضاء مجلس الشوري العام، لمدة ستة أشهر.

ويرى مراقبون أن إعلان القرار رسميا في هذا التوقيت سوف يؤدي لمضاعفة أزمة التنظيم، خاصة أن الخلافات بين قيادات الجماعةومرشدها قد بلغت ذروتها خلال الأيام القليلة الماضية بسبب التحركات العشوائية من جانب الثاني، وفشله في التوصل لحل مع السلطاتالتركية بشأن مراعاة مصالح الجماعة في المفاوضات التي جرت مع مصر.

‎واعتمدت جماعة الإخوان منذ عام 2011 على منظومتها
‎الإعلامية كأحد أهم أذرع التمكين في مصر والمنطقة العربية، وإن كان ظهور الإعلام الإخوان قد سبق هذا التاريخ بنحو ثلاثة عقود، مع تدشين أول موقع رسمي يتبع التنظيم ويحمل اسمه، ثم توالي المنصات الإعلامية التي استخدمت بشكل مكثف للدعاية وجذب الأعضاء الجدد، وانطلقت بعدة لغات، لمخاطبة الشرق والغرب، إلا أن السيولة السياسية التي شهدتها المنطقة بعد 3011 سمحت للتنظيم بالتحرك في مساحات رحبة واللعب على المنصات باعتبارها أداة للوصول للحكم، لتخرج من طورها التقليدي إلى آخر أكثر قوة وتأثير.

ووفق المصادر ستشهد الفترة المقبلة خلافات حادة بين المرشد وقيادات التنظيم في تركيا حول إجراءات تعيين مكتب جديد وكذلك اختيارمجلس شورى عام للتنظيم وفق الآليات التي وضعها منير مسبقاً والتي تقضي بعدم ترشح أي قيادة حالية للمجلس المقبل، وهو ما يثير حالةمن الغضب.

 

‎ويرى المراقبون أن إعلام الجماعة والدول الداعمة لها، قد لعب الدور الأهم في تهيئة الأجواء السياسية لوصول الإخوان للحكم في عدة دول عربية عقب ثورات الربيع العربي، كما ساهم في رسم صورة ذهنية مغايرة للحقيقة عن أهداف التنظيم وأيدولوجيته، فيما استخدمه الجماعة وغيرها من التنظيمات المتطرفة للتنكيل بالخصوم، وتقديم إغراءات للمشاهدين تتوافق مع متطلبات الفترة التي اتسمت بالثورية والرغبة في التغيير وهو ما دفع الناس لتصديق الجماعة، والثقة بقراراتها.

‎لكن المنظومة الإعلامية الإخوانية لم تنجح مطلقا في الدفاع عن التنظيم، الذي سرعان ما انكشفت حقيقته بعد أشهر قليلة من وصوله للحكم، وفقدت مصداقيتها، وباتت تمثل أحد أدوات التضليل المنبوذة لدى المجهور، خاصة في مصر، وبعد سقوط الجماعة عن الحكم إثر الثورة الشعبية في حزيران (يونيو) 2013، فقدت المنظومة الإعلامية الإخوانية ثقلها وتهاوت أرضاً كما التنظيم تماما، بل وسقطت، في أعين الجمهور، كافة المنصات الإعلامية التي أسرفت في دعم الإخوان ومعادة المصريين وكان أبرزهم “قناة الجزيرة”، وفق ما يؤكده خبراء الإعلام المصري.

‎ومنذ عام 2014 شرعت قنوات التنظيم أبرزها “الشرق
‎ومكملين ووطن والميدان” وكذلك عشرات المواقع الصحفية التابعة له في البث من خارج مصر، بالاعتماد على محتوى عدائي للدولة المصرية، لكن في 20 آذار (مارس) الماضي، أعلنت الحكومة التركية رسميا عن وقف هذا الخطاب السياسي المحرض الذي ظل يبث من على أراضيها نحو 7 سنوات، وقالت إن الخطوة تأتي في إطار الرغبة في التفاهم مع مصر.

‎وبعد أقل من أسبوعين أعلن المذيع الإخوان معتز مطر وقف برنامجه نهائيا على قناة الشرق، وقال إنه ربما يغادر تركيا إلى دولة أخرى، وكذلك محمد ناصر المذيع الإخواني على قناة مكملين.

‎وقالت مصادر قريبة من الجماعة، تحدثت لمواقع عربية، إن “مطر” أجبر على وقف برنامجه، مرجحة أن تتخذ الحكومة التركية قرارا نهائيا بإغلاق جميع المنصات خلال أسابيع، فيما يستعد التنظيم الدولي لنقلها جميعا إلى لندن ودول أوروبية أخرى يحظى التنظيم فيها بالقدرة على التحرك بشكل حر، دون ملاحقات من السلطات الأمنية، كما أصبح الوضع في تركيا.

‎ويقول الباحث المصري المختص بشؤون الإرهاب والمنشق عن التنظيم، إبراهيم ربيع إنه منذ عام 2014 اتخذت المنظومة الإعلامية للإخوان وجهاً جديدا، حيث باتت منصات ضارية للهجوم على مصر من الخارج، وتفننت في إشعال الحرائق والفتن والترويج للشائعات، كما اعتمدت على الكتائب الالكترونية واللجان المضللة كأحد أهم أدواتها لخلق رأي عام مضلل للمصريين وتأجيج مشاعرهم ضد القيادة السياسية ودفعهم للغضب بالكذب والادعاء.
‎فشل ذريع
‎ويرى “ربيع” أنه بالرغم من التمويلات الضخمة التي تلقتها تلك المنظومة من عدة دول وأجهزة مخابرات بهدف الإضرار بأمن واستقرار مصر، إلا أنها فشلت فشلا ذريع في الوصول للناس أو اقناعهم لأن ما تقدمه كان دائما يشوبه الكذب والتضليل والعداء الظاهر للدولة المصرية، ولذلك سقطت هذه المنظومة سريعا بسبب الفشل الذريع الذي منيت به، ولم تتمكن من تحقيق أيا من المهام التي أسندت إليها.

‎وحول رغبة مصر في إيقاف هذه المنصات، قال ربيع إنه لا يعتقد أن يكون الجانب المصري قد طرح أمر الإخوان مطلقا في المناقشات مع الجانب التركي، لأن أمرهم كله لم يعد يمثل أهمية ولا ورقة ضاغطة، بالعكس هناك العديد من الملفات تحتل مركز الأولوية لدى الدولة.
‎وعبر ربيع عن اعتقاده بأن تركيا تراوغ من خلال الإخوان، لأنها تستخدمهم منذ سنوات للعب دور وظيفي في عملية صراعها الإقليمي مع القوى الكبرى في الشرق الأوسط، وفي حال لم تتم التفاهمات مع مصر ربما يعود الإخوان وإعلامهم مرة أخرى لسابق عهدهم.

‎ويرى “ربيع” أن الجماعة اعتمدت على الإعلام والكتائب الالكترونية تماما مثل اعتمادها على التنظيمات المسلحة، في حربها ضد مصر وعدد من الدول العربية عقب عام 2013، وذلك بالتضليل وبث الشائعات لدفع الرأي العام نحو اتجاهات وتحركات تتوافق مع مصال الجماعة المعتمدة على التخريب والتدمير وهدم الأوطان كأداة للعودة إلى الحكم وممارسة العمل السياسي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى