تقارير

أزمة الميدان والدبلوماسيّة تكشف عن طبيعة التحدّيات في إيران

كريم شفيق

ما تزال أزمة التسريب الصوتي المنسوب لوزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، تحمل تداعيات جمّة، وتبعث بردود فعل عنيفة، محلية وخارجية، خاصة بعد الكشف عن الدور المتنامي لقائد فيلق القدس السابق، قاسم سليماني، في السياسة الخارجية، وتأثيراته المباشرة على اتجاهات طهران في عدد من القضايا، والتي تسببت في إعاقة الدبلوماسية والخارجية الإيرانية، على النحو الذي أدّى إلى تأزيم المواقف السياسية والإقليمية، ومن بينها فشل الإتفاق النووي، والتورط في الحرب بسوريا، الأمر الذي تحمل نتائجه السلبية الرئيس الإيراني، حسن روحاني، ووزير خارجيته، بينما ظل الحرس الثوري بمنأى عن النقد والمحاسبة والمسائلة.

استمرار الأزمة.. ما الأسباب

اللافت أنّ التسريب الصوتي الخاص بوزير الخارجية الإيراني، يتزامن والتصعيد الهائل داخل النظام في طهران بين التيارين الإصلاحي والمتشدّد، على خلفية الانتخابات الرئاسية، المزمع إجراؤها، منتصف العام الحالي، وكذا تفاوت وجهات النظر الداخلية بخصوص إحياء الاتفاق النووي، والذي تجري بشأنه مفاوضات، في فيينا، مؤخراً، بينما يسعى المتشددون إلى تعطيل المسار الدبلوماسي لحين وصولهم إلى الرئاسة، وبالتبعية، قطع الطريق على التيار الإصلاحي للحصول على أيّة مكاسب في ظلّ المنافسة المحتدمة، وتصفية الدور المحتمل لهم في الفترة القادمة.

الحرس الثوري الإيرانيمطلع الأسبوع الحالي، اعتذر ظريف عما ورد في التسجيل الصوتي، تحت وطأة الهجوم المتواصل ضدّه، والذي بلغ حدوداً قصوى؛ إذ جرى الاعتداء على مكتب وزير الخارجية والرئيس الإيراني بواسطة عناصر تابعين للحرس الثوري الإيراني، بحسب موقع “إيران وير”، النسخة الفارسية، فضلاً عن تنظيم مظاهرة في مدينة مشهد الإيرانية، وهتف المحتجون: “الموت لوزير الأجانب”، وذلك بواسطة عدد من العناصر المنتمين إلى ما تعرف بـ “جبهة المقاومة الطلابية”، والتي تعدّ ضمن مجموعات الضغط التابعة للحرس الثوري الإيراني.

وغرّد وزير الخارجية الإيرانية على حسابه الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي “انستغرام”: “أودّ أن أعتذر للجميع”، وأردف: “جرح المشاعر الصادقة لمحبي الشهيد البارز اللواء قاسم سليماني وعائلته، خصوصاً ابنته زينب، التي تعزّ عليّ كأولادي.. لقد سامحت كل من أعتقد أنّه اتهمني، وآمل أن يسامحني أيضاً شعب إيران العظيم، وكل محبي السردار، وخصوصاً عائلة سليماني النبيلة”.

ظريف يبرّر بعد النفي الرسمي

ولفت ظريف إلى أنّ “الملاحظات التي أدليت بها (أي ما ورد في التسجيل المسرب) لا تقلل من المقام والدور الذي لا غنى عنه للشهيد سليماني”، مضيفاً: “لكن لو كنت أعلم أنّ كلمة منها سيتم نشرها علناً، بالتأكيد لما كنت قلتها”.

قاسم سليماني

نشرت زينب سليماني، الابنة الكبرى لقائد فيلق القدس السابق، عبر حسابها الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، إحدى صور والدها في أعقاب اغتياله بمطار بغداد، وغردت: “الكلفة التي دفعها الميدان من أجل الدبلوماسية”؛ وذلك للرد على ما ورد في التسجيل المسرب لظريف والذي لفت فيه إلى أولوية التحركات الميدانية والعسكرية على حساب العمل الدبلوماسي لدى سليماني.

هاجم وزير الخارجية الإيراني دور سليماني الذي عمد إلى إلحاق الدبلوماسية في تبعية لنشاط الحرس الثوري وأهدافه، حسبما جاء في التسجيل الصوتي المسرب؛ إذ رأى أنّ قائد فيلق القدس كان في سبباً في الإخفاقات المتتالية التي تكبدتها إيران، بداية من فشل الاتفاق النووي مروراً بالعقوبات الاقتصادية، وحتى سقوط الطائرة الأوكرانية، وقال ظريف: “في كلّ مرة تقريباً ذهبت فيها للتفاوض مع (الدول الكبرى) كان (سليماني) يطلب مني أن أقدم هذا التنازل أو ذاك أو أثير نقطة ما. وكان يفرض شروطه عند ذهابي لأيّ تفاوض مع الآخرين بشأن سوريا، وأنا لم أتمكن من إقناعه بطلباتي، مثلاً طلبت منه عدم استخدام الطيران المدني في سوريا ورفض”.

وكشف وزير الخارجية الإيرانية أنّ قائد فيلق القدس كان يرى في الخارجية الإيرانية مجرد أداة محدودة أمام النشاط العسكري والميداني الواسع للحرس، وفي ظلّ هذه التبعية أضحى دور ظريف يساوي “الصفر”.

وتابع: “في الجمهورية الإٍسلامية الميدان العسكري هو الذي يحكم، ولقد ضحيت بالدبلوماسية من أجل الميدان العسكري، بدلاً من أن يخدم الميدان الدبلوماسية. وهيكلية وزارة الخارجية ذات توجه أمني غالباً”.

ما الذي يثير مخاوف النظام؟

وإلى ذلك، أعلنت وكالة أنباء “الطلبة” الإيرانية، شبه الرسمية، نهاية الأسبوع الماضي، فرض طهران لحظر السفر على 15 شخصاً، بدعوى تورطهم في التسريب المنسوب لوزير الخارجية الإيراني، مشيرة إلى أنّه “طبقاً لمصدر قضائي تمّ منع 15 شخصاً شاركوا في إجراء المقابلة من مغادرة إيران”.
كما هاجم القائد السابق للحرس الثوري وسكرتير مجلس تشخيص مصلحة النظام، محسن رضائي، تصريحات ظريف، وقال: “البعض، بوقاحة، يلقي باللوم في خيانة وفساد المسؤولين وفشلهم في إدارة البلاد على القائد الميداني، ويصفونه بأنّه عميل لروسيا”.

وفي حديثه لـ “العربي ستريت”، يرى الدكتور سامح مهدي، الباحث المصري في العلوم السياسية؛ أنّ تداعيات تسريب الملف الصوتي لظريف سوف تستمر على ما يبدو، خاصة أنّ الأوضاع في إيران، الداخلية والخارجية، تكشف عن “طبيعة الأهداف والمصالح بل والنوايا للقوى المسؤولة عن تسريب هذا الملف في هذا التوقيت”، مضيفاً: “تسريب المقطع الصوتي لوزير الخارجية الإيراني في هذا الوقت الحساس، يؤكد حجم الصراع الداخلي بين أجنحة النظام؛ وهو صراع بين التيار المعتدل والإصلاحي، من جهة، والتيار القريب من المرشد الإيراني والحرس الثوري، من جهة أخرى، مع الوضع في الاعتبار أنّ هناك خلافات أخرى داخل التيار الأخير، مؤخراً، بسبب المنافسة الانتخابية، لكنّها خلافات تبدو بين الأجيال وبعضها”.

ويشير مهدي إلى أنّ المقطع الصوتي المنسوب لوزير الخارجية الإيراني، يعدّ بمثابة “الضربة الأخيرة والنهائية لجهة تصفية أيّ وجود محتمل لظريف في الانتخابات الرئاسية، إذ إنّ الاتجاه الرسمي في طهران هو التخلص من وجود الإصلاحيين وتجربتهم السياسية، بل ومحاصرة نفوذهم على الساحة، وهو الاتجاه الذي يدعمه بقوة المرشد الإيراني علي خامنئي”.

ويلفت الباحث المصري إلى أنّ هناك ضغوطات جمّة تدفع باتجاه عسكرة الرئاسة في إيران، بعد وصول جنرالات الحرس الثوري إلى القضاء والبرلمان، وذلك في ظلّ احتمالات غياب المرشد الإيراني عن الساحة تبعاً لتقدمه في العمر، والكشف عن مرضه بالسرطان، وهو ما يثير أزمة حول خلافته وضرورة تأمين النظام من التصدع والانشقاق، ويردف: “تعدّ خلافة المرشد من المراحل الانتقالية الصعبة والمعقدة في الجمهورية الإسلامية، وتبعث بقلق ومخاوف عديدة، بالتالي، فإنّ الترتيبات تجري اليوم على قدم وساق لتقوية التيار الأصولي للحفاظ على “الثورة” و”الجمهورية الإسلامية”.

زر الذهاب إلى الأعلى